آخر الأخبار
The news is by your side.

تأملات قرآنية… بقلم: د. هاشم غرايبيه

تأملات قرآنية  … بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآيتين 15و16 من سورة العلق:” كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ”.
أجمع المفسرون على أن هذه الآيات من سورة العلق نزلت في بدايات الدعوة وفي أبي جهل تحديدا، لكننا نعلم أنه وإن كان يتنزل قرآن يعالج ظرفا محددا، إلا أن القرآن أنزل ليكون منهاجا للبشر الى آخر الزمان، ولا تلغى منه آية نزلت لحالة محددة بعد انتهاء تلك الحالة، بل في كل الحالات يمكن الرجوع إليها فيما بعد زمن التنزيل، سواء لاستنباط أحكام مشابهة للحالة، أو لفهم جديد للمعاني الواردة فيها يتوافق مع مستجدات الأزمان.
لقد ذكر القرطبي في تفسيره لهاتين الآيتين:” لنسفعا أي لنأخذن بالناصية فلنذلنه. وقيل: لنأخذن بناصيته يوم القيامة، وتطوى مع قدميه، ويطرح في النار”.
وقال الطبري: ” لنأخذنّ بمقدم رأسه، فلنضمنه ولنُذلنه؛ يقال منه: سفعت بيده: إذا أخذت بيده والمعنى: لنسوّدنّ وجهه، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه كله، إذ كانت الناصية في مقدم الوجه”.
وقال ابن كثير: “لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد “لنسفعا بالناصية” أي لنسمنها سوادا يوم القيامة”.
وورد في تفسير البغوي: “لنأخذن بناصيته فلنجرنه إلى النار، يقال: سفعت بالشيء، إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا، و” الناصية “: شعر مقدم الرأس”.
نلاحظ أن علماء السلف الصالح جميعا رحمهم الله، لم يتعرضوا لمعنى (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ )، ولم يبحثوا ربطه تعالى الناصية بالكذب والخطيئة، بل اعتقدوا أنها ذكرت من باب الدلالة بالجزء (مقدم الوجه)على الكل (الإنسان).
لكن لو كان ذلك هو المقصد لقال تعالى (ناصية كاذب خاطئ)، إذن فالمقصود هي الناصية تحديدا، وكيف للناصية إذاً أن تكذب أو تخطئ، فتحاسب على فعلها؟
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني: ظلت هذه (الهاء) تؤرقني ولا أفهم ما دلالتها إلى أن التقيت بطبيب عالم كندي عرفت منه أن العلماء توصلوا في القرن العشرين فقط، الى أن الفص الأمامي من الدماغ فيه مركز الإدراك والحكم، وأنه في هذه المنطقة يتم اتخاذ القرار، لذلك يمكن القول أن حكم الخطأ من الصواب يتحدد هنا، ولذا فاتخاذ القرار بالفعل الصالح أو الشرير يتم في هذه المنطقة الجبهوية.
وهكذا عرف الشيخ سر استعمال (الهاء) في هذه الآية، الأمر الذي لم يكن في مقدور المفسرين القدامى.
يؤكد صحة رأي الشيخ الزنداني، قوله تعالى في الآية 56 من سورة هود: “مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا”، والدواب غير قادرة على الحكم واتخاذ القرار، فجميع تصرفاتها غريزية، أي من وحي ما فطرها الله عليه وليست نتاج أي من الأدوات العقلية الممنوحة للبشر، مثل جمع البيانات ومقارنتها والتحكيم واتخاذ القرار، لذا فهي مُسيّرة بسلوكها منقادة بأفعالها، فالناصية (موضع اتخاذ القرار) معطلة لا تقودها، بل تقودها الفطرة التي هي بيد الله، وهذا معنى “آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا”.
نخلص إلى أنه في كل يوم نتقدم فيه علميا، نكتشف كنزا جديدا من تلك التي أودعها الله في كتابه الكريم، لم نكن لنفهمه قبلا، والتي جعل الخالق الحكيم اكتشافها متاحا للذين يديمون التفكر في آياته القرآنية ، فيفتح من علمه بما يشاء لمن يشاء، لتظل معينا لا ينضب على مدار العصور.
يعيب المكذبون بالدين على المسلمين، أنه كلما اكتشف العلم البشري جديدا من أسرار آيات الله الكونية والتكوينية، يسارعون للقول أن ذلك مذكور في كتاب الله، ويقولون لماذا لم تأتوا به قبل أن يكتشفه الكفار؟.
السبب الأساس هو التخلف المضروب على كل أقطار المسلمين بحرمانهم من وسائل البحث العلمي، وإشغالهم عن ذلك بالركض وراء لقمة العيش.
ولأن الله يعلم بسابق علمه ذلك، لذلك حفظ القرآن من أي عبث، ليبقى مرجعا للبشر الى يوم الدين.
إعجاز القرآن الكريم ليس في تطابق مدلولاته مع العلم، فالمعرفة المتحققة منه نسبية، لأنه خاضع لنظريات علمية متغيرة متطورة، ولا يمكن القطع بصحتها المطلقة.
إنما الإعجاز في أنه رغم ثبات الألفاظ، تتغير المدلولات، فيتطور فهم الإنسان لآياته كلما تقدم علمه، لذلك يبقى القرآن صالحا لكل الأزمنة.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.