تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
تأملات قرآنية … بقلم: د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 18 من سورة الحشر: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”.
في هذه الآية الكثير مما يستوجب التأمل العميق، لكني سأقتصر على ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى في دلالات بدء الآية بـ (يا أيها): عندما يكون الخطاب القرآني موجها للمؤمنين، (أي الفئة التي اختارت المنهج الرباني وارتضت طاعة الخالق)، فيجب التهيؤ لتلقي الأمر كما الجندي، ذلك لأن خطاب الله لهم ليس لنقل خبر أو شرح حال، بل يعني التوجيه والتنبيه، والأمر الواجب التنفيذ معاً.
في هذه الآية توجيه بتقوى الله المتضمن الأخذ بما أمر به وترك مانهى عنه، والتزود بالأعمال الصالحة تهيؤاً لليوم الموعود، وتحذير من التهاون في ذلك والتراخي انشغالا بمشاغل الحياة الدنيا.
المسألة الثانية: لماذا يخاطب الله عز وجل في كتابه العزيز أتباع الرسالة المحمدية دائما بالمؤمنين، فلم يرد الخطاب في أية مرة بيا أيها المسلمون!؟، مع أنه تعالى ذكر على لسان كل الرسل السابقين أنهم كانوا يعتبرون متبعيهم مسلمين.
صحيح أن كل من آمن بالرسالات السابقة ولم يشرك بالله، هو مؤمن، بدليل قوله تعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” [البقرة:62]، لكن ذلك ينطبق على كل من لم يدرك الرسالة الخاتمة، أما من أدركها أو جاء بعدها، وكفر بها، فليس بمؤمن، لأن شرط الإيمان أن يؤمن بجميع كتب الله ورسله.
والدليل على ذلك قوله تعالى: “وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” [آل عمران:110]، كما أنه تعالى يدعوهم لاتباع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التزاما بما جاء في الكتب التي أنزلت عليهم، ودعتهم الى اتباع النبي الخاتم عند ظهوره: “وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ” [البقرة:41].
هكذا نفهم أنه وبعد أن نزلت الرسالة الخاتمة فلا يكون المرء مؤمنا إن لم يؤمن بها، ولم يبق من حجة لأحد آتاه الله عقلا سواء كان من مشركي قريش أو من مساكنيهم من أهل الكتاب أن لا يؤمن بها: “لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ” [البينة:1]، لذلك ليس من حاجة لخطاب: أيها المسلمون، فهم ذاتهم المؤمنون، ومن يكفر بما أنزله الله على رسوله فهو كافر، بدليل أنه تعالى ساوى بجرم الكفر بين من آمن به من أهل الكتاب وبين مشركي قريش، عندما كفر الطرفان برسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
قد يعتقد البعض أن ذلك تكفير لأهل الكتاب الحاليين الباقين على عقيدتهم، لكنه ليس كذلك، لأنه لا يجوز تكفير أحد، فنحن لا نعلم دخائل النفوس، فقد يكون من نظنه كافرا، هو مؤمن أتقى منا، يخفي إيمانه لظرف ما “وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم” [النساء:25]، وباب التوبة ودخول الإسلام مفتوح لكل امريء ما دام حياً، كما أن الله أمر المسلمين بعدم إكراه الناس على الإيمان: “أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” [يونس:99].
المسألة الثالثة: في دلالات ورود (اتَّقُوا اللَّهَ) مرتين في الآية الكريمة: لا شك أنه لا يوجد في كتاب الله حشو ولا إطناب، فكل لفظة في مكانها، لا تسده غيرها.
نلاحظ أن التقوى في الموضع الأول نصح نافع، ففيه مصلحة مباشرة للفرد، لأن الموت سفر بعيد بلا عودة، لذلك يذكر الله عباده الذين يحب أن ينيلهم عطاءه بضرورة التزود قبل الرحيل المفاجيء، فالتقوى هنا بقصد الكسب والربح، والعمل الصالح يُجزى بعشرة أمثاله وأكثر، فالعاقل لا يضيع هذه الفرصة الثمينة.
أما التقوى في الموضع الثاني فهو أصل ثابت كونه من لوازم الإيمان، إذ هو قائم على مبدأ أن الله خبير بالنوايا، فيعلم دوافع العمل، لذلك فالتقوى هنا في أن يبقى المؤمن ذاكرا لله، والذكر هنا ليس بالمسبحة وتلاوة الأوراد، بل بالتذكر الدائم أنه تحت مراقبته، لذلك فسلوكه يبقى منضبطا.
![]()