كشف التلاعب … بقلم: د. هاشم غرايبه
كشف التلاعب … بقلم: د. هاشم غرايبه
في عصر العولمة، والذي تميز بانتشار وسائل التواصل التي أتاحت تعميم المعرفة، ساد مفهوم على نطاق واسع، وهو أنه لم يعد بالإمكان التعتيم على الأخبار، أو إخفاء حقائق الأحداث.
لكن سرعان ما ثبت خطأ هذا الإعتقاد، فما زال أساطين التضليل والإعلام المزور ذاتهم متمكنين من صناعة وتوجيه الرأي العام وفق مراداتهم، وثبت ذلك عمليا في كل الأزمات المصنوعة التي حدثت في آخر ثلاثة عقود.
فرأينا في نقل الأحداث الحية في حروب الخليج والعراق وأفغانستان وآخرها الحرب على الإرهاب، كيف كان تسليط الضوء انتقائيا على ما يعزز رواية أمريكا، ولا تنقل أية معلومة من طرف محايد، فالحياد لم يعد متاحا في تلك الأحداث بعد رفع شعار: (من ليس معنا فهو ضدنا)، فانخرطت كل القوى التي ظلت متصارعة عبر التاريخ في خندق واحد، ضد عدو مجهول وغير معرف إلا بكلمة (الإرهاب) المطاطة.
فانكشفت الحقيقة المرة في أن الصحافة ليست حرة، والإعلام ليس موضوعيا بل موجها، وتبين أنه أصبح أحد أسلحة هذا التحالف المشين، ومتآمر مع الأشرار على تزوير الحقيقة، فلم ينقل أية معلومة من الطرف المستهدف، بل كانت كل الصور تهدف لإظهار دقة إصابة القصف الجوي وجسامة التدمير، مع إغفال تام لمعاناة المدنيين الإنسانية، فلم ينشر شيء عمن تقطعت أشلاؤهم ودمرت بيوتهم، وحرموا من أية وسيلة للحياة، وانقطع أطفالهم عن مدارسهم، بل تم تهجير من بقي منهم حيا الى خيام في أقاصي الأرض، تخلو من أي من مقومات الحياة البشرية التي أتاحها القرن الحادي والعشرين، فبات همُّهم مقتصرا على البقاء على قيد الحياة.
هكذا فالتقدم العلمي والتقني الذي حققته البشرية في تاريخها الطويل، استغله شياطين الإنس أكثر كثيرا مما انتفع به الناس، فسخّروه لخدمة أطماعهم، والتي لا تتوقف في أي عصر، ولا يحققها أكثر من النزاعات والحروب، لذلك رأينا كيف أنه مع انتهاء كل حرب أو حل كل نزاع، ينبت فجأة صراع جديد، فيبدأ الإعلام الموجه بدق الطبول وصنع التوتر.
أحدث حلقة في تلك السلسلة هي الأزمة الأوكرانية، لذلك نجد الخبر الرئيس في هذه الأيام أحاديث مسؤولي الغرب في التخويف من أمكانية شن روسيا الحرب على أوكرانيا.
جذر المشكلة هو جغرافي استراتيجي، فأهمية هذه الدولة أنها الى جانب دول البلطيق وبيلاروسيا، هي الفاصل بين روسيا وأوروبا، وقد تمكنت أمريكا من زرعها بقواعد عسكرية فيها وبقيت أوكرانيا، لذلك فانضمامها يعني تضييق الخناق على روسيا، هكذا اصطدمت مصالح الطامعيْن الروسي والأمريكي، ولم يشفع لروسيا خدماتها الجُلّى لأمريكا طيلة الفترة الماضية.
طبعا لن ترقى الأزمة الى المواجهة العسكرية المباشرة، بل سيبقى مجرد عض أصابع، لذلك نرى شدة استغراق الإعلام العالمي (الخاضع للغرب بالكامل) في إحماء الطابق بالحديث يوميا عن سيناريوهات محتملة للهجوم الروسي المزعوم.
هذه الحالة من إيقاف العالم على ساق واحدة يترقب ويقلق، تروق لسائر الأطراف ذات المصلحة، فالإعلام يجد مادة دسمة، كما أنها تلبي شهوة الزعماء لتصدر منصات الإعلام، وغرور القادة العسكريين الباحثين عن الأمجاد، وتستجيب لطلباتهم بزيادة المخصصات المالية.
أما المستفيد الأعظم، فهو الحكومة الخفية التي تملك الإعلام وتصنع الأحداث وتحرك السياسيين، فقد قفزت أسعار النفط بشكل متسارع، ورغم أن الدول المنتجة للنفط وهي روسيا وأمريكا ودول الأوبك هي المستفيدة ظاهريا من ذلك، لكن ذلك مقلق لساسة الدول واقتصادييها أكثر من الربح المباشر، فارتفاع أسعار المنتجات النفطية يسبب كساد الأسواق ويضر كثيرا بالتصنيع والتجارة.
أما الاستفادة الأكبر فتتحقق لقوى المال الخفية، التي تسيطر على المضاربات في أسواق المال، فقد أصبحت عمليات البيع الآجل وإعادة البيع تتم آليا عن طريق الأتمته (الذكاء الصناعي)، ويمكن لحيتان المال جني ثروات خرافية من الصفقات التي تتم افتراضيا، وليس فيها تسليم واستلام حقيقي، لأن المشترين الفعليين يسعون لتأمين احتياجات زبائنهم المتعاقدين معهم، قبل ارتفاع الأسعار أكثر.
هكذا نرى كيف أوصل شياطين البشر الذي استفردوا بحكم العالم بمسمى الديمقراطية مخادعة، الى هذا البؤس وضنك العيش والقلق الدائم.
فرغم التقدم العلمي والتقني سيظل العالم يتنقل من حال سيء الى أسوأ، كما الأمم السابقة الذين أهلكوا بالطاغية، حينما أعرضوا عن منهج الله وأصروا على اتباع المفسدين في الأرض.
![]()