آخر الأخبار
The news is by your side.

أبيي … قصة منطقة هزمت الخراب والحصار …. بقلم: ملوال دينق

أبيي .. قصة منطقة هزمت الخراب والحصار

 

بدعوة من مكتب رئيس إدارة منطقة أبيي الخاصة، مولانا كوال ألور كوال، توجهنا في الثاني عشر من شهر ديسمبر العام المنصرم (2018) قبيل عطلة أعياد الميلاد، إلى منطقة أبيي الحدودية، في مهمة صحفية إستغرقت خمسة أيام، وذلك لتغطية أحتفالات اليوبيل الماسي لتأسيس التعليم في المنطقة (1943 – 2018) رفقة وفد رفيع المستوى من الحكومة الاتحادية، يقوده مستشار رئيس الجمهورية لشؤون التعليم الدكتور جون قاي يوه الذي مثل الرئيس سلفا كير ميارديت، ونائب رئيس جمهورية السودان الأسبق والأكاديمي المخضرم البروفيسور موسيس مشار كشوال، ووكيل وزارة التعليم والتوجيه، مايكل لوفوكي، وممثل لجنة التعليم بالمجلس التشريعي القومي الانتقالي جون أقانج دينق، والنائبة البرلمانية نيانكواج نقور، ورئيس الدائرة القانونية بمكتب رئيس الجمهورية مولانا مجوك مدينق، إلى جانب، ممثل تنظيمات مجتمع أبيي المدني بجوبا، رومانو كوات، وممثلين لرابطة طلاب منطقة ابيي بالجامعات والمعاهد العليا “ابيوسا”، فيما تبدل في اللحظة الأخيرة، مسار رحلة كلا من الأستاذ بونا ملوال مدوت والدكتور فرانسيس مدينق دينق، اللذان يفترض ان يرافقا الوفد إلى أبيي، إذ غادرا إلى ولاية تويج للمشاركة في مراسم العزاء في السلطان الراحل، رينق مدوت، الشقيق الأكبر لـ “بونا ملوال مدوت” الذي اغتيل في حادثة وقع في وقت سابق.
نقطة التحرك من مطار جوبا الدولي، الذي وصلنا إليه عند الساعة الثامنة صباحاً، حيث كان بانتظارنا في الناحية الشمالية من المطار جوار مهبط بعثة الأمم المتحدة، طائرتان صغيرتان سعة (12) راكباً، تم استئجارهما لتقلنا إلى أبيي، وكنا خمسة صحفيين نمثل بيوتات إعلامية مختلفة من ضمنها التلفزيون القومي.
أقلعت بنا الطائرة الأولى المخصصة للصحفيين، عند حوالي الساعة التاسعة صباحا، وسط ظروف مناخية عادية، يقودها طاقم مكون من طيار ومساعد أجنبيين، قليلي الكلام، يتواصلان مع بعضهما بلغة خليط من الإنجليزية والسواحلية، وظلا طوال مسار الرحلة يعتمدان على جهاز تحديد المواقع الجغرافية الـ (GPS) لتوجيه خط سير الطائرة، وبعدنا بلحظات، أقلعت الطائرة الثانية التي تقل الوفد الرسمي، يرافقه ممثل حكومة الإدارية ووزير المالية، مالونج تونق.

مطار أقوك

حطت الطائرة الأولى رحالها في مطار أقوك ببلدة “أنيت” حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً، بعد ثلاث ساعات طيران، وتبعها بثلثي الساعة الطائرة الثانية الخاصة بالمسؤولين الحكوميين، ولم نلاحظ في محيط المطار اي مظاهر للاستنفار الأمني وهذا مشهد طبيعي في منطقة منزوعة السلاح، وكان في إستقبال الوفد رئيس الإدارة، مولانا كوال ألور كوال، ونفر من أعضاء الحكومة، ومجموعة من تلاميذ وتلميذات المدارس، أهدوا الضيوف أغنية خاصة، وعقب إنتهاء مراسم الإستقبال التقليدي بالمطار، تحرك الوفد إلى أبيي حيث تقام احتفالات مرور خمس وسبعون عاما على تأسيس التعليم في المنطقة.

الطريق إلى أبيي

تحرك الوفد في موكب ضخم، شاقا الطريق الرملي المتجه إلى أبيي، الذي تم تأهيله حديثا بعد موسم الخريف، وكان الشارع يشهد نشاطا وحركة دؤوبة للمركبات الحكومية والتجارية والمركبات الخاصة التابعة للمنظمات والشركات، وعلى طول الطريق اصطف مجموعات متفرقة من الأطفال والكبار، بدوافع التحية والفضول، وكانوا يلوحون باياديهم للموكب، ومع اقترابنا أكثر من “أبيي” بدت مظاهر الاستعداد العسكري لقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة، تظهر للأعيان، وعقب اجتيازنا جسر “أكيجنيال” الشهير الذي الذي دمر في أخر غذو تعرض لها المنطقة في عام 2011 قبل ان يتم صيانته لاحقا، وجدنا أمامنا أيضا قاعدة أخرى للقوات الأممية في قرية “أوال نم” .. وهكذا دخلنا إلى أبيي بعد رحلة قصيرة مررنا خلالها بمناطق “أنيت – وون فيط – ماج بونق – أكيجنيال – أوال نم)، وتصادف وصولنا، قدوم موكب اخر من الجهة المقابلة محاط بجنود مدججين بالسلاح ومدرعة عسكرية، بدا واضحا للوهلة الأولى، من نوعية المركبات والأعلام والرايات المميزة التي كانت تعلوها انه الموكب الخاص بالقائد العسكري للقوات الأممية المتمركزة في المنطقة، الجنرال “غبري أدهانا ولدزغو”، وكان موقفا طريفاً حينما اشتاط أحد الأشخاص غضباً ملوحا يديه للموكب الأممي الذي كان يستعد للإنعطاف إلى داخل مجمع الأمم المتحدة، مطالبا بافساح الطريق للوفد القادم من جوبا.

في أبيي

وصلنا أبيي حوالي الساعة الثانية بعد الظهيرة، ووجدنا المنطقة ضاجة بالحضور، صبية يلعبون على الطرقات، شيب وشباب، رجالا ونساءا منشغلين في شؤونهم الخاصة، ويطيلون التحديق في وجوه الوفد القادم من العاصمة جوبا، احدى السيدات كانت تسألني بالحاح عن الأستاذ “رومانو كوات” ويبدو انه في أمر مهم .. القهاوي ومنتديات الهواء الطلق تستقبل وتودع روادها، والكافتريات على قلتها، تجتهد لتوفير أجود أصناف الأطعمة والمأكولات للضيوف الذين قدموا من المناطق القريبة والنائية لحضور الحدث التاريخي، وفي قاعة المجلس التشريعي المحلي التي تقع على بعد كيلومترات قليلة من المستشفى الكبير، أقيم معرض وثائقي للصور والتراث، وشمل: “ادوات تراثية ونماذج لتصميم الزي المدرسي للبنات، وصور لرواد التعليم، أمثال: لينو وور أبيي دوت، ولويس نيوك كوال أروب، والناظر دينق كوال أروب (دينق مجوك) والسلطان مكواج أبيم بقت، والعمدة أشويل بلبك، إلى جانب صور للرعيل الأول من البنين والبنات الذين التحقوا بالتعليم، مثل: الدكتور فرانسيس مدينق دينق، والدكتور زكريا بول دينق، وجاستن دينق أقوير بار، والبنات: هلينا لينو وار أبيي، وميري ابيونق لويس نيوك، وكلارا اكور مثيانق ميان، وشمل أيضا قائمة للخريجين والخريجات وحملة الدرجات العلمية الرفيعة، والفنانين والفنانات، وقائمة بأول منتخب كرة القدم بالمنطقة، وعقب جولة المعرض، توجه الوفد إلى ساحة مدرسة أبيي الإبتدائية وهي الصرح التعليمي المحتفى بها، لحضور الأمسية الثقافية التي تخللها عروض في المسرح والدراما والرقص قدمها الطلاب والتلاميذ، وتحكي عن الحقبة الأولى للتعليم، وبينما تواصلت البرنامج حتى ساعات المساء، غادر الوفد بعد حوالي ساعة، وبدا ان التعب قد نال من الجميع بعد الرحلة الطويلة من جوبا إلى أبيي، وتوجهنا بمعية المسؤولين إلى مدرسة أبيي بنات (مدرسة منيل راو ) لتناول وجبة الغداء، وسوف تكون المدرسة بعد ذلك مقرا ثابتا للضيافة طيلة أيام الزيارة، وهكذا أسدل الستار على برنامج اليوم الأول (الأربعاء).

حركة الشارع

يتميز أبيي بطبيعة ساحرة ومناظر غلابة، بخاصة على أمتداد المناطق الواقعة على طول شريط نهر نيمورا، إبتداءا من ميدان “شوي أياك” وقرية الناظر دينق مجوك حتى قرية “نينكواج” والأمتدادات الأخرى، وبدا النهر بهيجا ومخضرا بفعل الحشائيش التي تكسوه، اما الطقس فكان شتاءا قارسا كما هي العادة في مثل هذا الفصل من السنة، ولكن رغم هذه البرودة الشديدة تجد الناس يتحركون فرادى وجماعات حتى ساعات متأخرة من الليل، وتنحصر اغلب التجمعات في سوق “مولمول” جوار مجمع الـ “يونيسفا” وسوق المستشفى قبال إستراحة الحكومة والسوق الشعبي، وفي هذه التجمعات تجد الغالبية مهتمة بالشأن السياسي المحلي والقومي ومدركاً بالكثير من التفاصيل حول قضية المنطقة، وكانت أبرز الأجندة المطروحة على طاولة النقاشات هو قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2445) بشأن أبيي الذي لاقى تفاؤلا معتبراً رسمياً وشعبياً في الأيام التي تلى إعلان القرار، أما الشباب، فبدأ انهم مهمومين أيضا بقضايا أخرى ذي صلة بتنظيماتهم الشبابية وكان البعض صريحا وجريئاً في نقده للسلطات لما يعتبرونه تضييقا تمارسه الحكومة على أنشطة الشباب، أما الرأي الرسمي فيشكك في حيادية واستقلالية هذه الأصوات، إذ يحسبها داعمة لأجندة المعارضة. وعلى صعيد النشاطات والفعاليات، تشهد الساحات العامة منافسات رياضية في كرة القدم وكرة الطائرة، أما أبرز المشاهد فهي محافظة المجتمع المحلي على التقاليد والتراث الثقافي الضارب، وذلك عبر تنظيم حلقات للرقص والغناء يتوافد إليها الفتيان والفتيات من الأحياء والقرى المجاورة.

السوق الشعبي

يتألف السوق من دكاكين و”رواكيب” صغيرة متناثرة هنا وهناك، تبيع السلعة التموينية والأقمشة والمستلزمات الأخرى، وباعة متجولون وترابيز لبيع الوقود وزيوت المحركات، والمطاعم ومقاهي الشاي، واكشاك لشحن الهواتف وتحويل الرصيد، ويجدر الإشارة هنا ان المنطقة تعمل فيها شبكتان، هي شبكة أم تي ان (MTN) جنوب السودان، وشبكة زين (ZAIN) السودانية، ويتميز الأخيرة بجودة المكالمات، ولكنهما الأثنين يقدمان خدمة ضعيفة في الأنترنت، ويعيش السوق مرحلة إنتقالية بعد ان تم ترحيله مؤقتا عقب الأحداث إلى منطقة “مولمول” بالقرب من مجمع بعثة الأمم المتحدة، قبل ان يعود مؤخرا بقرار من السلطات المحلية، لذلك تجد اغلب محالها مغلقة أو مهجورة، ويعتمد السوق بشكل اساسي على البضائع القادمة من السودان عبر سوق “أميت” وعلى المنتجات المحلية.

في الـ”يونيسفا” .. “سهرة إستثنائية”

ليلة الخميس الموافق الثالث عشر من ديسمبر، كانت ليلة إستثنائية على الصعيد الشخصي، فقد لبيت دعوة من الصديق المحامي مثيانق وور أتيم، للمشاركة في حفل لشركة (GCC) المسؤولة عن التموين الغذائي بالبعثة، تقيمها سنوياً بمناسبة أعياد الميلاد “الكريسماس” وذلك داخل مجمع الـ “يونيسفا”، وكانت المناسبة فرصة لالتقاط الأنفاس والترويح عن النفس بعد جدول العمل الضاغط. تجمعنا في مكان عام بالقرب من المجمع، وبعد إكمال الإجراءات الروتينية عند المدخل الرئيسي، تم إعطانا تصاريح المرور وبطاقات الزوار، ومن الداخل كان المجمع عبارة عن مدينة منفصلة ومختلفة، فبينما كانت أبيي في الخارج تغط في ظلام رهيب وصمت مخيف، نصبت الكشافات في كل مكان تقريبا وعلى مسافات متقاربة لإنارة المجمع، ورصفت الشوارع بالخرسانة والحصى لتسهيل حركة المركبات، ومثل سائر مقار بعثة الأمم المتحدة في البلاد، كانت المكاتب والسكنات عبارة عن تركيب وليست مباني ثابتة، أما السكان فهم أفراد البعثة وكبار الموظفين الأجانب، وأخيرا بعد تجوالنا وصلنا إلى مكان الحفل، وهي صالة متوسطة الحجم، ملحوقة بغرفة مفتوحة تحلق فيه نفر من الشباب أمام التلفاز، بينما اكتظت الصالة بالحضور، كان الجميع سعيدا يرقص ويتمايل طربا على أنغام الموسيقى المحلية والأجنبية التي كانت تصدره مشغل الموسيقى، واخرين يلتقطون لهم صور تذكارية، وفي أخر الصالة اتخذنا موقعا لجلسة إستمرت زهاء الساعتان ونيف، وكنا حوالي الـ (10) اشخاص بخلاف آخرين أنضموا لنا هناك، وفي هذه المناسبة سنحت لي الفرصة للالتقاء بأصدقاء وزملاء قدامى، تشتت بنا السبل، منهم، مثيانق وور أتيم وشول رمضان ودينق شول دينق (الأمير) وجمعة مليك نيوات، وسعدت بالتعرف كذلك على أصدقاء جدد، منهم كوال أروب مدينق، كوال وار أللي، مرينق دينق تور، داو دينق راو، أداو دينق، أياك اجوم، وكاربينو نينكوانج وبقية العقد الفريد، وكانت “سهرة ما منظور مثيلا”.

قصة منطقة تحدى الخراب والحصار

لازال بقايا آثار الخراب والدمار المروع التي تعرضت لها المنطقة في عامي 2008 و2011 تلفت أنظار زائريها، ولا زال الذاكرة المحلية حية تحتفظ بالكثير من القصص والحكايات عن الفظائع والبشائع التي ارتكبها الجيش السوداني ومليشياته في حق السكان الأبرياء العزل، وهذا ربما يعد ضمن الاسباب التي دفعت اللجنة المنظمة لاحتفالات اليوبيل الماسي للتعليم، إلى عرض صور الدمار والخراب التي لحقت بالمنطقة في الحادثتين الشهيرتين، ضمن فعاليات المعرض المصاحب توثيقا للذاكرة الأليمة. وفي الأحياء الشمالية يتحرك المواطنين بحذر ويقظة خشية على سلامتهم ومن تعرضهم للمضايقات من قبل المسلحين الذين يتسللون من الجوار، وتحدث إلي بحسرة أحد المواطنين الذين قابلتهم بالقرب من السوق الشعبي، قائلا :”المنطقة يعيش حصارا مفروضا، فخلاف القفل المتكرر والمتعمد الذي يتعرض له سوق “أميت” الحدودي من قبل الجانب السوداني والذي يعتبر المدخل الرئيسي للبضائع التي تنساب إلى المنطقة وما جاورها، فان المواطنين يجدون الصعوبة في التحرك بحرية حتى في القرى القريبة من أبيي”.
هذه كانت أبرز المشاهد والصور من منطقة أبيي المتنازعة عليها بين جنوب السودان والسودان، والتي قضينا فيها خمس أيام في منتصف ديسمبر من العام المنصرم، ورغم التحديات والصعوبات التي تواجه السكان الـ “نقوك” في مناحي عديدة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، والجمود التي ضربت قضيتهم حتى في أضابير الحكومة، إلا ان المنطقة تضج بالحياة والنشاط والحركة، ولا تزال “أبيي” بعد (14) عاما من التوقيع على إتفاقية السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان وثمان سنوات من استقلال جنوب السودان تقف في وجه العاصفة وتتحدى الخراب والحصار.
_________________
صحيفة الموقف – جوبا، جنوب السودان

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.