نكزة : دارفور بعد التحرير …ماذا عليها ؟
- نكزة : دارفور بعد التحرير …ماذا عليها ؟
بقلم: الصادق إسماعيل علي
ليست المعركة في دارفور معركة لتحرير الأرض من المليشيا المتمردة وحدها ولا تنتهي مهمتها بانسحاب آخر مسلح من مدينة أو قرية فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية تنتظر أهل دارفور أنفسهم: معركة استعادة المجتمع وترميم ما هدمته الحرب وإعادة بناء الثقة وإثبات أن دارفور التي عانت طويلاً قادرة على أن تتعافى وتكون جزءاً من سودان يتسع للجميع. والقوات المسلحة تزحف في ثبات نحو دارفور لتخليصها من دنس المليشيا المتمردة واسترداد حقوق أهلها المغتصبة وإعادتهم إلى ديارهم بعد أن شردتهم المليشيا وأعوانها منها ظلماً وعدواناً ليبدأوا حياتهم من جديد في أرضهم ومجتمعاتهم.
والحالة هذه يقع على عاتق أهل دارفور الكثير.
أول ما هو مطلوب منهم أن يدركواجميعاً حقيقة الحرب وحقيقة ما جرى لهم وما يجري الآن عليهم أن يدركوا أن المستهدف لم يكن فرداً أو قبيلة أو مكوناً بعينه وإنما وجودهم جميعاً بمختلف كياناتهم الاجتماعية وأرضهم ومواردها لصالح أعداء العباد والبلاد.
فعندما اكتسحتهم المليشيا التي لم تكن في نهاية الأمر سوى أداة هدم في يد من أرادوا بالبلاد وأهلها السوء لم تفرق بينهم في دارفور. بل عمقت الهوة بين مكوناتها الاجتماعية بالاصطفاف القبلي والاصطفاف المضاد وأوقفت ما كان قائماً من تنمية على قلتها وأعدمت خدماتهم الأساسية من تعليم وصحة ومياه وكهرباء وغيرها، وسفكت الدماء وانتهكت الأعراض وسلبت الأموال الخاصة والعامة، وخربت مصادر الخدمات، وأخرجت الناس من منازلهم وديارهم لاجئين ونازحين، حفاة عراة، مرضى وجوعى. ولم تسلم منهم حتى حواضنهم المزعومة. وبفعل كل ذلك، سقط إلى الأبد الادعاء بأن هذه المليشيا تقاتل من أجل المهمشين إذ إن أول من دفع ثمن حربها كانوا أولئك الذين زعمت أنهم مهمشون جاءت لنصرتهم.
ثم عليهم أن يدركوا دورهم المطلوب في معاونة القوات المسلحة وهي تقوم بواجبها تجاه دارفور وتجاه كل السودان. عليهم الاصطفاف خلفها بكل ألوان طيفهم القبلي والجهوي بأنفسهم وأموالهم وكل ما يستطيعون حتى يكتمل النصر ويستقر الأمر.
لكن الانتصار العسكري مهما كان عظيماً لن يكون وحده كافياً. فدارفور تحتاج بعد التحرير إلى معركة تعافٍ شاملة تستعيد بها أمنها ومجتمعها وخدماتها واقتصادها، وتفتح بها الطريق أمام الاستقرار والرفاهية.
وأول محاور هذا التعافي هو التعافي المجتمعي المفضي إلى إشاعة السلام العام والسلم الاجتماعي ونبذ التعصب القبلي والجهوي والعمل على توظيف القبيلة والجهة لصالح الانتماء والولاء العام للوطن كله. وهذا يحتاج إلى إعادة النظر في منظمات المجتمع الأهلي والديني من حيث إعادة صياغة الغايات الكلية لوجودها والأهداف التي تخدمها وآليات عملها .
لقد أدرك أهل دارفور من خلال تجربة النزوح ما يربطهم بكل أهل السودان من وشائج الوجدان المشترك التي صنعتها المعايشة والمصاهرة والدين والثقافة والمصير الواحد.
وما لاقاه أهل دارفور في منافيهم وخاصة من أهل الشمال النيلي الذين طالما نالتهم سهام الافتراء من بر وإحسان واحتضان وتعاون على البر والتقوى أسقط إلى الأبد دعاوى المليشيا وبعض أبناء دارفور عن الاستعلاء والتمييز العرقي المزعوم ضد أهل دارفور.
لقد أثبتت المحنة أن السودان في حقيقته أكبر من خطاب الكراهية وأن أهله أقرب إلى بعضهم مما أراد لهم أصحاب الفتن أن يعتقدوا وان ما يجمع بينهم أكبر بكثير مما يفرقهم لولا دعاة الفتنة .
وعليه فالمطلوب ليس مجرد تجاوز هذه المرحلة وإنما تطوير هذه الوشائج إلى درجة أعمق من الاندماج الوطني والانصهار الكامل لتأسيس أمة واحدة موحدة . فقد أدرك الجميع أن المشكلة ليست في بقية أهل السودان، وإنما في خطاب الكراهية الذي نجح بعضهم في تسويقه، وفي وهم الاستعلاء والدونية المتبادل الذي لا يخدم إلا من يريد تمزيق البلاد.
ثم إن على أهل دارفور أن يدركوا حقيقة أخرى لا تقل أهمية: إنهم اليوم، كما كانوا بالأمس، جزء أصيل من كل السودان وموجودون في مختلف أقاليمه ومناطقه بكل مكوناتهم الاجتماعية ولم يسلبهم أحد حقهم في ممارسة حياتهم الطبيعية في أي بقعة من بقاع الوطن.
فليكن حضورهم في كل مكان وخاصة في دارفور نموذجاً للتعايش السلمي والأمن الاجتماعي والتكافل والبناء والإعمار.
فالدارفوري الذي ذاق مرارة النزوح ثم وجد أبواب السودان مفتوحة أمامه ينبغي أن يكون أول من يفتح أبواب منطقته لغيره من أبناء دارفور وللآخرين من أبناء السودان تعايشا وتسامحا وتعاونا على البر . ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به أهل دارفور من هذه الحرب أن يتعهدوا لأنفسهم ولأهل السودان جميعاً: ألا يؤتى السودان من قبلهم، وألا تكون دارفور مرة أخرى بوابة لتمزيق الوطن بل جسراً لوحدته.
فإذا كان تحرير دارفور معركة تخوضها القوات المسلحة فإن بناء دارفور الجديدة معركة يخوضها أهلها وهنا تحديداً تبدأ مسؤوليتهم… بعد أن تنتهي الحرب.
دمتم ..سالمين .. آمنين ..تآمين .. لآمين
![]()