آخر الأخبار
The news is by your side.

حين يعجز الرصاص… تتحدث الشاشات

نكزة : حين يعجز الرصاص… تتحدث الشاشات

بقلم : الصادق إسماعيل علي 

منذ عقود، والسودان يقف في قلب مشاريع إقليمية ودولية لا تخفى أهدافها على المتابعين. تتبدل الأدوات، وتتغير الواجهات، لكن الغاية تظل واحدة: إضعاف الدولة السودانية، وتحويلها إلى ساحة نزاعات مفتوحة، يسهل التحكم فيها واستنزاف مواردها. وبينما تتعثر بعض المخططات على الأرض، تتقدم أخرى عبر الإعلام والدعاية وصناعة الأزمات الإنسانية.

لا تزال المؤامرة الاستعمارية على السودان مستمرة؛ مشروعٌ قديم تتبدل وسائله ولا تتبدل أهدافه. فمنذ عقود، تتحدث أدبيات ومراكز تفكير غربية وإسرائيلية عن ضرورة تحييد السودان، ضماناً لأمن إسرائيل، وتمهيداً لإعادة تشكيل المنطقة على نحو يحقق مصالح القوى الكبرى ويضمن الهيمنة على مواردها وثرواتها.

الهدف ــ في نظر أصحاب هذه المشاريع ــ ليس مجرد إضعاف السودان، بل تفكيكه إلى كيانات صغيرة متناحرة، غير قابلة للحياة الاقتصادية أو السياسية، بما يفتح الباب واسعاً أمام السيطرة على مقدراته الهائلة، وإبقائه منشغلاً بصراعاته الداخلية إلى أجل غير مسمى.

أما المنهج، فهو ذات المنهج الاستعماري القديم: الحفر بالإبرة. لا يأس، ولا استسلام، ولا مراجعة للخطط عند الإخفاق. بالأمس كان انفصال الجنوب، وغداً قد يكون دارفور، وبعدها الشرق، إذا توافرت الظروف والأدوات. ولعل التكريم الذي ناله بعض الداعمين الاسرائيليين من الجنوبيين لمشروع انفصال الجنوب ، في مرحلة ما، يعكس حجم الأدوار التي أُريد لها أن تُلعب في إعادة رسم الخريطة السودانية.

وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون الحرب الحالية بوصفها حلقة جديدة ضمن سلسلة الضغوط الرامية إلى تحقيق تلك الأهداف، عبر المليشيا المتمردة وحواضنها السياسية بمختلف مسمياتها، التي تتكاثر ــ كما الأميبا ــ كلما ظن الناس أنها انتهت، فإذا بها تعود باسم جديد وشعار جديد، بينما يبقى المضمون كما هو.

لكن ما حدث حتى الآن هو أن الشعب السوداني، بإسناده لقواته المسلحة، استطاع أن يعطل جانباً مهماً من هذا المشروع، وأن يثبت أن الشعوب الحية قد تتعثر، لكنها لا تُستأصل بسهولة.

غير أن أصحاب المشاريع الكبرى لا يعرفون اليأس. فحين أدركوا أن الأبيض ليست لقمة سائغة، وأن الوصول إليها دونه خرط القتاد، تحركت ماكينة الإعلام الضخمة، لتصنع واقعاً موازياً: مليشيا منهارة على الأرض لكنها منتصرة على الشاشات، ومدن صامدة يجري تصويرها وكأنها مدن أشباح، وسكان يُدفعون دفعاً إلى النزوح ثم يُقدَّمون للعالم باعتبارهم دليلاً على ضرورة التدخل الدولي لحمايتهم، ممن كانوا في الأصل سبب مأساتهم وتشريدهم.

إنها محاولة لتحقيق عبر الشاشات ما عجزت البنادق عن تحقيقه في الميدان. غير أن هذا المسار، هو الآخر، مرشح للفشل إذا استمرت يقظة القوات المسلحة، واستمر التماسك الشعبي الذي ظل يمثل السند الحقيقي للدولة السودانية في هذه المحنة.

سيدي البرهان:

التاريخ يعلمنا أن الاستعمار لم يكن يوماً راعياً لمشروعات النهوض الوطني، بل كان غالباً أول من يسعى إلى وأدها متى ما أحس أنها قد تنتج دولة قوية مستقلة الإرادة.

والنصر لا يتحقق بالأمنيات، وإنما بالأخذ بالأسباب. وفي تجارب الأمم المعاصرة دروس تستحق التأمل (إيران مثلا )؛ فالدول التي استطاعت حماية أوطانها لم تكتف بالشعارات، بل بنت قوتها، واستنهضت شعوبها، وأحسنت اختيار الكفاءات وقدمتهم لتولي المهام ، وواجهت الاختراقات والعمالة والارتزاق والتعاون مع العدو بحزم، وعرفت كيف تدير تحالفاتها الخارجية بما يخدم مصالحها الوطنية، لا مصالح الآخرين.

أما انتظار إحسان الخصوم، أو الرهان على تبدل طبائع المشاريع الاستعمارية، فهو رهان أثبت التاريخ مراراً أنه خاسر.

قد تتغير الأدوات، من البندقية إلى الكاميرا، ومن الخندق إلى منصة الأخبار، لكن جوهر الصراع يبقى واحداً: صراع إرادات بين شعب يريد الحفاظ على كيانه ومقدراته ودولته، وقوى ترى في تفكيكها مدخلاً لتحقيق مصالحها. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأهم أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالوعي، وبوحدة الصف، وبالقدرة على التمييز بين المعركة الحقيقية وضجيج المعارك المصنوعة في غرف الأخبار.

تلك مجرد نكزة… لعلها توقظ من لا يزال يظن أن الذئب يمكن أن يتحول إلى راعٍ، أو أن المستعمر يتخلى طوعاً عن أحلامه القديمة، أو أن يكون مصدر ثقة .

دمتم سالمين … آمنين … تآمين … لآمين .

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.