نكزة : حين أعاد الإسلام كتابةالميراث… وبقينا نحن نقرأ من دفاتر الجاهلية
نكزة : حين أعاد الإسلام كتابةالميراث… وبقينا نحن نقرأ من دفاتر الجاهلية
بقلم: الصادق اسماعيل علي
في لحظة الموت…
لا يكون الحزن وحده حاضراً.
هناك شيء آخر يتسلل بهدوء…
اسمه: الميراث.
في مجتمعاتٍ قديمة، لم يكن الميراث مسألة عدالة،
بل مسألة قوة.
من يحمل السيف… يرث.
ومن لا يستطيع… يُنسى.
المرأة خارج الحساب.
والطفل مؤجل…
والضعيف… لا مكان له.
ثم جاء الإسلام…
ولم يكتفِ بتعديل المشهد… بل أعاد كتابته بالكامل.
نقل الميراث من ساحة الصراع… إلى منظومة حق وعدالة .
وضع لكل وارثٍ نصيباً… لا يُنتزع،
وفتح الباب أمام من كانوا خارج الباب تماماً.
لكن…
وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً…
يبدو أننا في بعض الزوايا… لم نغادر المشهد القديم تماماً.
قبل أيام…
جاءتني امرأة.
لم تكن تبكي…
كانت تنكسر.
تحكي قصتها ببطء…
كأن كل كلمة تُنتزع من قلبها.
أبوها ترك مصنعاً…
رزقاً واسعاً… كان يمكن أن يسع الجميع.
لكن بعد وفاته…
لم تُفتح صفحة القسمة.
أخواها أخذا كل شيء…
وأغلقا الباب.
هي لم تطالب كثيراً…
لم تدخل في صراع…
قالت: “الله كريم”… ومضت في حياتها.
تزوجت…
وزوجها كان مقتدراً…
فعاشت دون أن تحتاج لما هو حقها أصلاً.
مرّت السنوات…
والمصنع يعمل…
لكن ليس لها منه إلا الحكايات.
ثم جاءت الحرب…
انهار كل شيء فجأة.
مرض زوجها…
وفقد مصدر دخله، صرفت الأسرة كل ما كان مدخرا لعلاجه .. ثم مات …
وتحوّلت الحياة من استقرار… إلى ضيق شديد.
أبناء في المدارس…
التزامات تتراكم…
وأبواب تُغلق.
في ظل حرب لا ترحم ..
في تلك اللحظة فقط…
تذكرت حقها.
ليس طمعاً…
بل حاجة.
بحثت عن أخويها…
لتجد أنهما قد سافرا خارج البلاد بسبب الحرب ..
أخذا أسرهما… ونجوا.
أما هي…
فبقيت.
بلا سند…
وبلا مورد…
وبلا حق.
تتصل…
تستجدي…
تذكّرهم بأنها شريكة في ذلك المصنع…
ولا إجابة.
صمت…
كأنه يقول: “انتهى الأمر”.
هنا…
لا يكون الحديث عن الميراث مجرد فقه.
يصبح سؤالاً أخلاقياً عارياً:
كيف يتحول الحق… إلى منّة؟
وكيف يُؤجَّل العدل… حتى يفقد معناه؟
الإشكال ليس أن الأحكام غير واضحة…
بل أنها لا تُطبّق.
العرف يتقدم،
والراحة تُقدَّم،
والتأجيل يصبح حلاً دائماً…
حتى تأتي لحظة لا ينفع فيها الندم.
هذه القصة ليست استثناءً…
هي نسخة تتكرر بصور مختلفة.
مرة بحرمانٍ صريح،
ومرة بتأجيل طويل،
ومرة بصمتٍ ثقيل…
يأكل الحقوق ببطء.
المفارقة المؤلمة…
أن الفئات التي جاء الإسلام لينصفها—
المرأة، واليتيم، والضعيف—
هي نفسها التي ما زالت تنتظر.
ليس لأن الحكم غائب…
بل لأن الالتزام بالدين هو الغائب.
ربما نحتاج أن نعيد السؤال:
ليس: كيف قُسِّم الميراث؟
بل: لماذا لا نُسلّم بما قُسِّم؟
لأن القضية في جوهرها…
ليست أموالاً تُوزع،
بل ضمائر تُختبر في التزامها بمنهج الله
وفي كل حقٍ يُؤجَّل…
هناك إنسان يدفع الثمن.
وفي كل ميراثٍ لا يُقسم…
هناك عدالة…تنتظر.
![]()