خيانة د/ منى الزيادي
خيانة د/ منى والزيادي
سقطت ورقة الطلاق من يد “خالد” كأنها ريشة مثقلة بالدماء، وتناثرت في أرجاء الغرفة التي شهدت انكسار الروح قبل انكسار الجسد. لم يكن صمت خالد صمت عجز، بل كان صمت زلزال داخلي يضرب قناعاته الرجولية الصلبة. نظر إلى سامية، كانت كومة من اللحم والوجع، ترتجف تحت وطأة الحبل الذي قيد معصميها، وعيناها اللتان كانت تبحثان عن الحب في “الماسنجر” لم تعد تطلب الآن إلا الموت ستراً.
فصول الندم المتأخر
انحنى خالد ببطء، ولم تكن حركته توحي بالاعتداء، بل كانت حركة رجل يحمل جثة أحلامه. فك القيد عن يديها، فبرزت علامات الحبل الزرقاء كوشم من العار المشترك. في تلك اللحظة، صرخت سامية صرخة مكتومة، صرخة خرجت من أعماق سنين الجفاف:
— “لماذا فككت القيد؟ اقتلني! القتل أهون عليَّ من نظرة الاحتقار هذه. أنت قتلتني منذ عشر سنين يا خالد، حين جعلت قلبي صحراء قاحلة، وعمار لم يكن إلا سحابة وهمية توهمتُ أنها ستمطر!”
تجمد خالد مكانه. الكلمات كانت تمزق جدار كبريائه. هل فعلاً كان هو “القاتل الأول”؟ هل كان بروده العاطفي هو السكين التي ذبحت وفاءها؟
المواجهة الكبرى
وقف خالد أمام النافذة، يرقب ضوء الفجر الذي بدأ يتسلل من خلف ستائر دمشق الحزينة، وقال بصوت حاد كالشفرة:
— “تتحدثين عن الجفاف؟ وهل الجفاف يبرر الارتماء في أحضان الغرباء خلف الشاشات؟ هل ثمن الكلمة الطيبة هو تعرية الروح والجسد لرجل لا يعرف عنكِ إلا ما يراه في بكسلات الصور؟ عمار هذا الذي أغدق عليكِ بالمال، لم يكن يشتري قلبك، كان يشتري “سقوطكِ” ليتلذذ به في خلوته!”
التفت إليها والشرر يقدح من عينيه:
— “ألف دولار؟ هدايا؟ بخور؟ هل أصبحتِ رخيصة إلى هذا الحد يا سامية؟”
انهارت سامية تماماً، زحفت نحو قدميه وهي تنتحب:
— “نعم، رخصتُ في عيني نفسي لأنك أرخصتني في بيتك! كنت أتعطر لك فتنام، ألبس لك فتتذمر من الإضاءة، أتودد إليك فتقول “أنا متعب من العمل”. عمار كان يسألني عن لون عينيَّ، عن حزني، عن تفاصيل يومي التي كنت أنت تدفنها حية. أنا لا أبرر خطيئتي، أنا أعترف بضياعي.. لكن لا تضع كل اللوم على الشيطان، فقد كنت أنت من فتح له الباب بإهمالك.”
التشويق: القرار الذي حبس الأنفاس
ساد صمت جنائزي. مشى خالد نحو الجوال المحطم، التقط شريحته (SIM) ووضعها تحت حذائه وسحقها حتى تفتتت. ثم اتجه نحو خزانة ملابسها، وأخرج كل ما اشترته بمال عمار؛ العطور، الملابس، وأدوات التجميل.
فتح النافذة وألقى بكل تلك الأشياء إلى الشارع في عتمة الفجر، وقال بنبرة هزت أركان الغرفة:
— “هذا المال الحرام سيعود للتراب، وهذا العار سأغسله بدمي لا بدمكِ.”
اقترب منها، رفع وجهها بيده الخشنة، ونظر في عينيها طويلاً. خفق قلب سامية؛ هل سيذبحها الآن؟ هل سيخرج مسدسه؟ لكنه بدلاً من ذلك، انهمرت من عينيه دموع حارقة، دموع لم تكن سامية تظن أنها موجودة في محجري هذا الرجل الصخري.
— “سامية.. سأمزق ورقة الطلاق، ليس لأنكِ بريئة، بل لأني اكتشفتُ أني كنتُ “ديوثاً” بصمتي وإهمالي قبل أن تخوني أنتِ بفعلكِ. سأبقي عليكِ في ذمتي، لا لتكوني زوجة في الفراش الآن، بل لتكوني شريكة في توبة نصوح. سنرحل من هذا البيت، سنترك هذه الجدران التي تفوح منها رائحة الخيانة والجفاء.”
الإثارة: ما وراء التوبة
قام خالد بحملها ووضعها على السرير، غطاها بملحف وخرج. في الصباح، لم يذهب إلى عمله. باع أثاث الغرفة التي كانت تتحدث فيها مع عمار، وأغلق حسابات الإنترنت في البيت تماماً.
بدأت رحلة “الترميم” المؤلمة. كان خالد يجلس معها كل ليلة، ليس ليحقق معها، بل ليتحدث إليها. بدأ يحكي لها عن ضغوط عمله، عن مخاوفه، عن سبب بروده الذي كان نتيجة صدمات قديمة في حياته لم يشاركه فيها أحد. وسامية، بدأت تغسل روحها بالصلاة والندم، تخلصت من عقدة “عمار” وأدركت أن ذلك الحب المزعوم لم يكن إلا حقنة مخدر في جسد مريض.
بعد أشهر، كانت سامية تجلس في شرفة منزلهما الجديد في ريف دمشق. اقترب خالد، وضع يده على كتفها لأول مرة بحنان حقيقي، ولمس خصلات شعرها وقال:
— “سامية.. هل ما زلتِ تشعرين أنكِ قطعة أثرية؟”
نظرت إليه والدموع تلمع في عينيها، لكنها كانت دموعاً مختلفة:
— “بل أشعر أني ولدتُ من جديد، بعد أن مررتُ بالجحيم لأعرف قيمة الجنة التي كانت بين يدي ولم أحافظ عليها، وقيمة الرجل الذي كان يحتاج فقط لصرخة لتستيقظ رجولته.”
وأدرك خالد حقيقة هامة وهي:
أن البيوت لا تنهار من ضربة واحدة، بل من تراكم الصمت، وأن الخيانة هي جريمة يشترك فيها أحياناً “الجلاد” و”الضحية”.
![]()