آخر الأخبار
The news is by your side.

من صناعة الذوق إلى إعادة التدوير ومأزق أغاني وأغاني

محمد الصديق يكتب

لم أكن يومًا أتعامل مع أغاني وأغاني كبرنامج عادي بالنسبة لي ومثل كثيرين، كان جزءًا من رمضان نفسه. لم يكن مجرد فاصل غنائي بعد الإفطار بل مساحة تعود فيها البيوت إلى شيء يشبه الطمأنينة وصوت يعرفه الجميع وحكاية مألوفة وذاكرة مشتركة لا تحتاج إلى شرح.

لكن مع مرور السنوات بدأت ألاحظ ما لم نكن نجرؤ على قوله: البرنامج لم يعد بنفس الألق والجاذبية وحتى الوجوه صارت مكررة. كان الأستاذ المتألق السر قدور نقطة الارتكاز ولم يكن مقدمًا بالمعنى التقليدي بل كان جزءًا من روح البرنامج بضحكته المميزة وحكايته الشيقة. يعرف الأغنية قبل أن تُغنى ويعرف الناس الذين صنعوها وزمنها وحتى إحساسها الأول. حضوره لم يكن أداء إعلاميًا بل ذاكرة حية. لهذا عندما رحل لم يفقد البرنامج شخصًا فقط بل فقد عموده الأساسي.

استمر البرنامج بعده لكنه لم يعد كما كان. صار الغناء حاضرًا لكن الحكاية اختفت والأغنية بلا حكاية تفقد نصف حياتها. نجاح أغاني وأغاني في بداياته لم يكن لأنه يقدم أغاني جميلة فالأغاني لا تصنع نجاحًا وحدها. نجاحه الحقيقي كان في أنه قدّم الأغنية كقصة وكجزء من سياق اجتماعي وثقافي وكوثيقة. جعل الناس لا يسمعون فقط بل يتذكرون.

لكن مع الوقت وقع البرنامج فيما تقع فيه كل التجارب الطويلة: التكرار، نفس الأسماء ونفس البناء العام للحلقة. لم يعد هناك اكتشاف حقيقي ولا مفاجأة ولا خروج من المنطقة الآمنة. كأنما يخاف البرنامج من التغيير بدل أن يقوده.

بعد وفاة الأستاذ السر قدور ظهرت الأزمة بوضوح أكبر. البرنامج كان مبنيًا على شخص يعرف التفاصيل الصغيرة التي لا تُكتب في الورق، يعرف القصة خلف اللحن والناس خلف الكلمات والزمن الذي خرجت فيه الأغنية. حين غاب، صار البرنامج غناء بلا ذاكرة كافية وهذا فرق كبير. السؤال الأصعب: ما الجديد؟ هذا السؤال وحده يكفي لفتح ملف البرنامج كله. أي تجربة تعيش طويلًا تصل إلى لحظة حاسمة: إما أن تتجدد أو تتحول إلى أرشيف. أغاني وأغاني اليوم يقف عند هذه النقطة. المشكلة ليست في وجود مذيع بديل ولا في اختيار أصوات جديدة فقط بل المشكلة أعمق، في الفكرة نفسها. البرنامج يحتاج رؤية مختلفة، وعدالة في تقديم المشهد الغنائي، وخروجًا من أسر السر قدور. الفن الذي لا يصنع حاضره يتحول إلى متحف. والبرامج لا تموت حين تختفي من الشاشة بل تموت حين تتوقف عن التطور.

 

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.