آخر الأخبار
The news is by your side.

بيعتا العقبة المسجد الضرار والمسجد التقوى

بيعتا العقبة
المسجد الضرار والمسجد التقوى

بدر الدين العتّاق
أعرف جيداً ما ذهب إليه المفسرون من قوله تعالى : { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ *أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سورة التوبة ، وهو محل مراجعة وتدقيق وضبط من جديد حيث أكتب إليكم الآن وما توفيقي إلا بالله بحيث لا فائدة من تكرار ما ذهبوا إليه بلا شك .
دقق معي أيها القارئ الكريم في سرد هذه الخريطة الزمنية لأرجح الأقوال عند أهل السير وكتاب التاريخ الإسلامي على النحو التالي :
١ / مولد النبي سنة ٥٧١ م.
٢ / المبعث النبوي الشريف سنة ٦١١ م.
٣ / بيعة العقبة الأولى والثانية بينهما أشهر معدودة سنة ٦٢٣ م – مع بعض الخلاف في ضبط التواريخ بالشهور بين الشمسية والقمرية – .
٤ / الفترة المكية ثلاثة عشر سنة من المبعث ( 611 م – 624 م ) ٦٢٤ م .
٥ / الفترة بالمدينة المنورة عشر سنوات ( ٦٢٤ م – ٦٣٤ م ) حتى سنة ٦٣٤ م.
لا داعي لذكر بقية التواريخ لجملة السيرة الذاتية المحمدية كي لا أخرج عن الموضوع.
تعريف كلمة المسجد
وردت كلمة المسجد والمساجد ومشتقاتها في القرآن الكريم حوالي ثمانية وعشرين مرة ( 28 مرَّة ) يختلف معناها من موضع لآخر ما لم ترد عُدَّة مرَّات في ذات السياق أو الموضوع ، وعليه في هذا الموضع الذي نشير إليه ربطاً بالآية التي صدَّرْنا بها هذه الكلمة ، كلمة ” مسجد ” لا تعني مطلقاً المسجد المعروف الآن أو الجامع بل تعني تماماً بالمصطلح الحديث البرلمان أو مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو المؤتمر أو المجلس النيابي أو ما أشبه.
أمَّا التعريف الاصطلاحي المباشر هو اجتماع مجلس برلماني مصغَّر من أهل المدينة المنورة – يثرب قديماً – وهم في المجلسين شكلوا نواة الحركة الدعوية الإسلامية الحديثة في المجتمع الجاهلي آنذاك وكانوا في عرف التاريخ أصحاب بيعتي العقبة الأولى والثانية سنة ٦٢٣ م ، لأنَّ بين البيعتين أشهر معدودة مع مراعاة الفارق الزمني للشهور الشمسية والقمرية ، وعددهم في البيعة أو المجلس البرلماني المصغر الأول حوالي اثني عشر انصارياً من أعيان قبيلتي الأوس والخزرج وهم منهم من الخزرج : أسعد بن زرارة ورافع بن مالك وعبادة بن الصامت وأبو الهيثم بن التيهان ويعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة وعبد الله بن عمرو بن حرام والمنذر بن عمرو بن خنيس .
ومن الأوس: أُسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ورفاعة بن المنذر ( ص ١٠٠ ) تهذيب سيرة بن هشام للدكتور عبد السلام عارون 1954 م تقريبا طبعة مصر .
مما يوافق عند المذهب الموسوي الإثني عشر نقيباً أو أسباطاً ، لقوله تعالى : { وقطعناهم اثنتي عشر أسباطاً أمماً } سورة الأعراف ، وعند المذهب العيسوي الإثني عشر حوارياً أو أنصارياً أو تلميذاً في العشاء الأخير مع السيد المسيح ، وفي البيعة الثانية كان عددهم حوالي ثلاث وسبعين رجلاً وامرأتين [” نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو بن عدي ممن شهدت بيعة العقبة الثانية” ] وجملة أصحاب البيعتين سبعة وثمانين شخصاً.
أشار القرآن ههنا إلى هاتين الواقعتين و البيعتين بالمسجد التقوى لأنَّها قامت على أسس دستورية سليمة في بنود وشروط البيعتين وأهمها :
١ / السمع والطاعة في النشاط والكسل .
٢ / الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
٣ / الاستجابة لدعوة حمل السلاح عند الحاجة.
٤ / الجهاد في سبيل الله.
٥ / عدم الشرك بالله.
٦ / عدم السرقة.
٧ / عدم مقارفة الزنا.
٨ / عدم قتل الأولاد.
٩ / الصدق وعدم الكذب.
١٠ / عدم معصية الرسول.
١١ / الانفاق في العسر واليسر.
١٢ / قول الحق.
١٣ / نصرة النبي ومنعته.
شروط بيعة العقبة الأولى :
1 / لا نشرك بالله شيئاً .
2 / لا نسرق .
3 / لا نزني .
4 / لا نقتل أولادنا .
5 / ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا .
6 / لا نعصيه في معروف .
لاحظ قول الراوي ص ٩٧ / المصدر السابق / : ” كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ” حين وردت الإشارة إلى أن الصلاة فرضت في السنة الثانية من الإخراج النبوي الشريف ، مما يستدعي مراجعة زمن فرضية الصلاة كما أشرنا إليها سابقاً في كتابنا ( الفكرة الإنسانية العالمية ) .
شروط بيعة العقبة الثانية
قال عبادة بن الصامت :
1 / السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا .
٢ / وإثاره علينا .
3 / لا ننازع الأمر أهله .
4 / نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم .
أمَّا بالنسبة لمجلس البرلمان من الجهة المعادية أو المعاكسة أو المضادة من المشركين واليهود على وجه الخصوص ، اجتمعوا على المحافظة على ما هم عليه من نمط حياتي منموط ومن بينهم : أمية بن خلف وأبو سفيان صخر بن حرب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص والراهب أبي عامر الراهب .
إذاً ، مما سبق يتضح لنا أن البيعتين كانتا بمثابة تأسيس أول برلمان دستوري يحافظ على الهوية المدنية الجديدة وفي ذات الوقت يطبق المكيِّون نفس الشروط والأحكام التي وردت في البيعتين عبر التربية والتقليد والاتباع لتكون محل إجماع على إقامة ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) يعني مداومة وتأصيل وتطبيف وتنفيذ لمفهوم القانون المدني الإنساني العالمي الجديد لحقوق الإنسان الذي أرسى دعائمة قياماً النبي محمد والنقباء السابق ذكرهم كأول برلمان تشريعي دستوري في تاريخ الإسلام وهو سنة 623 م وهي هي ذاتها الشريعة الإسلامية العالمية كما وردت في كتابنا ( الفكرة الإنسانية العالمية) تحت الطبع والنشر والتوزيع الآن.
في سياق متصل من الآيتين اللتين تلتهما وردت كلمة ” بنيانه ” بألف خنجربة صغيرة تخالف الرسم الإملائي المعروف مما يعني أنَّ المقصود ليس هو البناء الحسي للمسجد على الحجر كما شاع عند المفسرين فذهبوا إلى ما ذهبوا إليه ، بل يعني تماماً أنَّ المقصود هو البناء المعنوي التربوي القيمي الأخلاقي الذي يمشي بياناً عياناً بين الناس منهج سماوي دستوري إسلامي لا مثيل له ولا ضريب في التخطيط الاستراتيجي والتعاون مع بعضهم البعض .
البناء الذاتي في الفكر والتخطيط الاستراتيجي السليم لتحقيق أهداف الثورة المضادة من سكان يثرب قرينته على ذلك قوله تعالى : { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ” ريبة في قلوبهم ” إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم } المصدر السابق ، لإجهاض الثورة الدعوية الإسلامية ولإحباط محاولة التغلغل إلى داخل يثرب المدينة الحديثة للمجتمع المدني الجديد منعاً باتاً التهكم والتغيير الديمغرافي لها باعتبارها مركزاً تجارياً رائجاً ، هذا بالنسبة للمسجد الضرار .
ومن ناحية نحوية هناك فرق بين لا يزال وما يزال ، حيث الأولى تفيد الثبات والاستمرار على الحالة بينما تفيد الثانية الحركة والتراجع على الحالة ، مما يعني استمرار النهج المضاد والمعادي بين قوى الخير وقوى الشر أينما كان الناس باعتبارها قاعدة جوهرية لا مناص منها.
نماذج لمعنى المسجد والمساجد
على سبيل المثال لا الحصر نعطي نماذجاً على اختلاف معاني المسجد والمساجد في القرآن الكريم ، منها ما ورد في سورة الكهف: { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } المسجد هنا يعني الشاهد أو الدليل على وقوع الحدث الأهم وهو مقبرة أهل الكهف بأن يوضع ما يشير إليهم وهو الحجر المنقوش عليه أسماءهم وعددهم ، ولقد أخذ المسلمون فيما بعد هذه العادة من وضع الشواهد على القبور لمعرفة موتاهم فيكتب عليه اسم المتوفي وقد جاءتنا من المسيحيين منذ ذلك الوقت.
المثال الثاني هو قوله تعالى من سورة البقرة : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } ، المساجد هنا جمع مسجد ، والمسجد المقصود بالعكوف هو حالة الصيام سواء كان في رمضان أو غير رمضان أن لا تتصل جنسياً بامرأتك مهما كان فتلك حدود الله فلا تقربوها.
معنى كلمة ” تباشروهن” جاءت أيضاً بما يخالف الرسم الإملائي المعروف بحذف الألف ووضع ألف صغير خنجري بين حرفي الباء والشين ” تبشروهن” أصلها هكذا ، مما يعني أن المباشرة تشمل المعنيين الحسي والمعنوي لعملية الالتقاء الجنسي من غيره الجسدي أو النية للفعل.
النموذج الثالث هو قوله تعالى : { قال يا إبليس مالك ألا تكون من الساجدين } سورة الحجر ، الساجدون هنا تعني الطائعون لأمره تعالى بقبول الخلق الجديد وهو الإنسان ، ولاحظ أنها جاءت مخالفة للرسم الإملائي المعروف بحذف الألف ما بين حرفي السين والجيم هكذا ” سجدين” مما يعني عدم السجود المتعارف عليه اليوم من وضع الجبهة على الأرض أو ما شابه.
خلاصة وفائدة
المسجد الضرار هو البرلمان المصغر لجماعة ما تبني الشر في فكرها ونفسها وتخطط له.
المسجد التقوى هو البرلمان المصغر لجماعة ما تعمل وتبني وتخطط لفعل الخير في فكرها وفي نفسها .
البناء في الآية لا يفيد البناء الحسي بالحجر أو الطوب أو الأُطُم بل يفيد البناء النفسي والفكري والمعنوي بالتخطيط لأيِّهما كان وما ذهب المفسرون إليه من شرح الآيات محل ضبط ومراجعة وتصويب وتدقيق من جديد كما ترى .
المسجد المبني بالحجر والطوب في طرف المدينة المنورة حالياً لا علاقة للمسجدين الضرار والتقوى بالجامع قباء من ناحية التفسير والتأويل من أصحاب بيعتي العقبة الأولى والثانية ” العقبة موضع بين مِنَىَ ومكة بينها وبين مكة نحو ميلين ومنها ترمى جمرة العقبة ص ٩٥ ” المصدر السابق ، من أصحاب رسول الله والمعروف باسم مسجد قباء .

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.