آخر الأخبار
The news is by your side.

“يلا نغني” على قناة البلد…برنامج يصنع الحنين أكثر مما يصنع الفنانين

عاد برنامج “يلا نغني” إلى الشاشة محملًا بوعود كبيرة وسقف توقعات أعلى من المعتاد فالفكرة في ظاهرها نبيلة: إعادة الاعتبار للغناء السوداني في التلفزيون بعد سنوات من الاضطراب والانكماش وجمع نجوم معروفين بأصوات شابة في مساحة رمضانية يُفترض أن تكون احتفالًا بالفن والذاكرة. غير أن ما حدث على أرض الواقع كشف فجوة واضحة بين النية والنتيجة وبين الحنين والإبداع إعادة الغناء وصناعته. منذ الحلقات الأولى انقسم الجمهور إلى فريقين؛ فريق رأى أن مجرد وجود برنامج غنائي في هذا التوقيت مكسب في حد ذاته وفريق آخر رأى أن البرنامج لم يقدم جديدًا حقيقيًا بل أعاد إنتاج وصفة مألوفة تقوم على الأغنيات القديمة والوجوه المعروفة في إطار رمضاني تقليدي لا يغامر ولا يبتكر. جوهر النقد لم يكن في اختيار التراث فالتراث ليس تهمة وإنما في طريقة التعامل معه؛ إذ بدا واضحًا أن البرنامج يعتمد على الأغنية القديمة كقيمة جاهزة دون أن يمنحها قراءة موسيقية مختلفة أو رؤية إخراجية تعيد اكتشافها. إعادة تقديم الحقيبة والمدرسة الكلاسيكية تحتاج إلى شجاعة فنية في التوزيع أو الإضافات أما أن تُقدم كما هي تقريبًا فإنها تتحول إلى حنين مكرر أكثر من كونها تجربة فنية متطورة. المقارنة مع “أغاني وأغاني” كانت حاضرة بقوة في النقاشات ليس لأن التشابه عيب في حد ذاته بل لأن البرنامج لم ينجح في بناء هوية موازية تخرجه من ظل التجربة الأقدم. فالتجربة السابقة صنعت ذاكرة جماعية عبر تراكم طويل، أما “يلا نغني” فلم يقدم بعد ميزة نوعية تجعل المشاهد يشعر أنه أمام مشروع مختلف. هذا ما جعل الاتهام بالتكرار يتصاعد خاصة مع إعادة نفس الأغنيات التي سمعها الجمهور في مواسم سابقة بقراءات متقاربة. ومن الناحية الفنية، ظهر تفاوت واضح بين الحلقات؛ بعض الليالي كانت مشبعة بحضور قوي وأداء متماسك بينما بدت حلقات أخرى باهتة الأمر الذي أضعف صورة البرنامج ككل. التذبذب في المستوى جعل المشاهد يتعامل مع البرنامج على أنه نجاح لحظي لا استقرار موسمي وزادت الأمور تعقيدًا عندما تداولت المنصات حديثًا عن خطأ تقني في البث، إضافة إلى ملاحظات متكررة حول الصوتيات، من تشويش أو أصوات خلفية أو ضعف في المكساج. في برنامج غنائي الصوت هو العمود الفقري وأي خلل فيه يضرب الثقة مباشرة ويجعل النقد أكثر حدة، لأن المشاهد لا يغفر بسهولة حين يكون السمع غير مستقر. كذلك أثير نقاش حول معايير اختيار الفنانين، إذ رأى بعض المتابعين أن بعض الاختيارات تميل إلى التكرار والشهرة والاسم المعروف أكثر من المشروع المتكامل مع أن الساحة تعج بالأصوات المترعة بالجمال والمبدعين، وأن البرنامج لم يوضح رؤيته بخصوص ما الذي يريده من كل فنان: هل هو استحضار ذكريات أم إعادة صياغة أم تقديم تجربة مختلفة؟ هذا السؤال ظل معلقًا في الهواء. أما الجدل الأوسع فقد تمحور حول مشاركة الفنان عصام حيث ظهر شاحب الصوت وكان أدائه أقل حيوية من نسخ سابقة لأعمال قدمها من قبل. حين يُعاد تقديم نفس الأغنية التي ارتبطت في ذاكرة الناس بأداء سابق قوي، فإن أي فارق بسيط يُقرأ باعتباره تراجعًا. يضاف إلى ذلك أن ظروف التسجيل والمكساج قد تؤثر في الإحساس العام بالطاقة وأن عنصر المفاجأة يختفي عندما يعرف الجمهور مسبقًا ما سيُقدم. التكرار هنا ليس مشكلة فردية تخص فنانًا بعينه بل نتيجة خيار برامجي يعتمد على إعادة تدوير نفس المواد دون اجتهاد في تجديدها. المحصلة ما قيل عن شحوب الأداء مرتبط بعوامل مركبة: التكرار والمقارنة والصوتيات أكثر من كونه حكمًا قاطعًا على الإمكانيات. وإذا نظرنا إلى الصورة الكبرى فإن أزمة “يلا نغني” لا تكمن في كونه برنامجًا سيئًا بالكامل بل في كونه لم يصنع لحظة فنية فارقة. لا توجد أغنية خاصة ارتبطت باسمه ولا قراءة موسيقية قلبت التوقعات ولا مسار واضح للحلقات يمنحها تصاعدًا وتماسكًا.

في المقابل لا يمكن إنكار أن البرنامج أعاد الغناء إلى الواجهة واستقطب أسماء لها وزنها ووجد جمهورًا يتابعه وهو أمر يُحسب له. لكنه يقف الآن عند مفترق طرق: إما أن يظل برنامجًا رمضانيًا عاديًا يعتمد على النوستالجيا الجاهزة أو أن يتحول إلى مشروع له هوية واضحة بموسيقى جديدة وتوزيع جريء ومعايير صوتية صارمة وبناء إخراجي يخلق تجربة لا مجرد استعادة. النقد الذي وُجه إليه ليس دعوة للهدم بل مطالبة بالارتقاء. فالجمهور لا يرفض التراث لكنه لا يريد أن يعيش فيه فقط؛ يريد أن يراه يتجدد يُفاجأ به ويشعر أنه يُصنع من جديد لا يُعاد بثه. هنا فقط يمكن لـه أن يخرج من ظل المقارنة ويصبح برنامجًا يُذكر لا لأنه أعاد ما كان بل لأنه أضاف إليه ما لم يكن.

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.