نَكًزة : الجلاد حين يرتدي قناع الممرات الإنسانية
نَكًزة : الجلاد حين يرتدي قناع الممرات الإنسانية
بقلم : الصادق إسماعيل علي
في عالمٍ مثالي، تُدان الجرائم أولًا، ثم تُناقش الحلول.
أما في عالم المجتمع الدولي، فتُدار الجريمة أولًا، ثم يُطلب من الضحية أن تضبط أعصابها احترامًا لـ«العملية السياسية».
هكذا ببساطة، وبهذا القدر من الوقاحة.
لا أحد يكذب مثل من يدّعي الدفاع عن القيم.
ولا أحد يتقن فن البكاء أمام الكاميرات مثل من جفّف دموع الضحايا عمدًا، ثم عاد بعد اكتمال المأساة ليطالب بالهدوء وضبط النفس.
هؤلاء أدعياء الحضارة، مهندسو الاستعمار الجديد، لا يقتلون مباشرة… فذلك عمل بدائي لا يليق ببدلاتهم الأنيقة.
هم يفضّلون القتل بالوكالة، عبر مليشيات تؤدي المهمة، ثم تُترك لتتحمل «التجاوزات الفردية».
في السودان، أدّت مليشيا الدعم السريع الدور المطلوب بإتقان:
قتل على الهوية، تطهير عرقي، اغتصاب ممنهج، تهجير قسري، نهب شامل، ودفن للأحياء… كل ذلك موثّق بالصوت والصورة، وباعترافات الفاعلين أنفسهم.
ومع ذلك، لم يتحرك الضمير الدولي. ربما لأن الضمير كان في إجازة، أو لأن الدم السوداني لا يدخل ضمن قوائم الطوارئ الإنسانية.
حوصرت الفاشر سنوات، حتى صار الجوع سلاحًا مشروعًا، والموت خبرًا عاديًا.
قُتل المدنيون بالعشرات والآلاف، لا فرق بين امرأة وطفل وشيخ، ولا بين مريض وصحيح.
ومع ذلك، لم نسمع سوى الصمت… صمتٍ عميق، مريح، يشبه صمت الشريك الذي لا يريد إزعاج نفسه بالأسئلة الأخلاقية.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان:
أهل السودان لم يموتوا جميعًا.
التفّوا حول قواتهم المسلحة، ودافعوا عن بيوتهم، وبدأوا في كسر ذراع المشروع الاستعماري. وعندما لاحت لها بشائر الانتصار الساحق… هنا فقط… استيقظت الإنسانية فجأة!
ارتفعت الأصوات ذاتها التي صمتت طويلًا:
أوقفوا الحرب!
افتحوا الممرات الإنسانية!
يا للعجب…
ممرات إنسانية لمن؟
للجوعى الذين تُركوا لسنوات؟
أم للمرتزقة الذين ضاقت عليهم الأرض بعد أن انكشف ظهرهم؟
اليوم، يخرج علينا ممثل الاستعمار الجديد، باسم “الرباعية”، وكأن الرقم يمنح البراءة، مستخدمًا مجلس الأمن وأدواته، لا لوقف الجريمة، بل لوقف هزيمة المشروع.
الهدف واضح وبسيط:
حماية ما تبقى من المليشيا، فرض واقع جغرافي جديد، ثم تسويق التفكيك باسم «الحل السياسي»، وفصل دارفور كخطوة أولى في جدول الأعمال.
والأكثر إثارة للشفقة، أن يجد هذا الخطاب من أبناء السودان من يردده بحماسة. أناس اكتشفوا فجأة أن الوطن عبء، وأن الدم سلعة، وأن الضمير يمكن تأجيره بالعملة الصعبة. يطوفون العواصم، يشرحون للعالم كيف يُقصف أهلهم، ولماذا يستحقون ذلك… مقابل فتاتٍ لا يكفي لغسل العار.
ليعلم السادة في مكاتبهم المكيفة:
السودان ليس تجربة فاشلة تُعاد صياغتها، ولا ملفًا يُغلق ببيان صحفي.
وأهل السودان، الذين صبروا طويلًا، لا يحتاجون دروسًا في الإنسانية ممن صادرها ثم عاد يتباكى عليها.
هذه ليست حربًا عبثية كما يزعمون،
بل معركة شعب قرر أخيرًا ألا يكون الضحية الصامتة في مسرحية الآخرين.
حين تتحدث الإنسانية متأخرة… اعلم أن الجريمة كانت ناجحة أكثر من اللازم.
![]()