معايير النقد الأدبي الحديث : بدر الدين العتَّاق
من معايير النقد الأدبي الحديث
بدر الدين العتَّاق
لفترة طويلة وأنا أهتم بقضايا النقد الأدبي من حيث الاطلاع والمتابعة والتقييم والدراسة وما إلى ذلك، فلم أكُ على المستوى الشخصي براض عن بعض التعريفات النقدية لمن يشتغلون في هذا المجال تمام الرضا ، وعن أكثرهم خلال متابعاتي اللصيقة لبعض من يحاول سهمه رمياً في أتون أمهات الكتب أو أغلفتها فكثير ما يجانبهم التوفيق لأسباب أحسبها عميقة ودقيقة ، فدعني استهل بها .
أولاً ، الخلل النقدي لدى الناقد
١. عدم الاطلاع الكافي للمادة المنتقدة .
٢. عدم الاطلاع عليها أصلاً .
٣. الشعور بحب الظهور أو حسن الإطراء خصماً على المادة المنتقدة .
٤. عدم التخصص والتذوق – ليس شرطاً مباشراً – .
٥. ترضية الشُلَلِيات والشكليات والمجاملات سلباً أو ايجاباً .
٦. ضعف المخزون المعرفي وأساليب النقد العربي.
٧. ضعف الموروث الثقافي وآلة التوظيف والتصنيف .
٨. ضعف الكم والكيف في حسن توظيف المعلومة خلال التذوق أو الاكتشاف أو القراءة والكتابة.
٩. الميل للعاطفة بالترضية والاستحواذ وضعف الأسلوب وسوء الالقاء على المتلقي .
١٠. جريرة الإعلام التقليدي والرسمي عبر استغلال الميديا للحضور الافتراضي الشكلي .
ثانياً ، من أبجديات مؤهلات الناقد
من ناحية ثانية، بطبيعة الحال قلة إيجاد أو قل : شح حسن التعليل لمعايير النقد الأدبي العربي أو الغربي أو العالمي الحديث سواء في الرواية أو القصة أو الشعر أو عموم التآليف الكتابية ، خلا بعض الكليات المتخصصة في النقد والدراسات الأدبية ، فقد أخذت أنا شخصياً من أساتذتي في هذا المجال عكس ما ورد في البند أولاً ، ومن أهمهم بروفيسور عبد الله الطيب، وفراج الطيب والطيب السراج وغيرهم ، اللذين اعتبر أن الشعر والنقد والأدب انتهى عندهم في عصرهم ذاك وحتى يومنا هذا إلا من رحم ربي، ومن أساتذتي في هذا الباب أيضاً هم المحدثون الأوائل أمثال الجاحظ والمبرد والاصفهاني والمعري وعموم كُتَّاب السير أمثال ابن كثير والطبري والذهبي وغيرهم .
يمكن القول بأنَّ من أهم معايير النقد الأدبي الحديث بالنسبة للناقد أن يكون ملماً أو مؤهلاً ومتمكناً من الآتي :
١. حفظ القرآن الكريم لمخاطبة العقل البشري بامتداد الزمان والمكان ، لما فيه من بيان وبلاغة وبديع وهلم جرا ، وهو المنوط به حفظ اللسان من العجمة أو اللاحنة أو الذلل وبحفظه نحفظ القرآن والإسلام واللسان والهوية والانتماء واللغة بلا شك .
٢. الاستدلالات اللغوية : الآيات القرآنية ، الحديث الشريف، الشعر العربي، ضرب المثل ، الحكمة ، النحو والصرف والبيان والبلاغة ، الشواهد النحوية ، المواقف المماثلة ، إلى آخره.
٣. إجادة اللغة العربية بكل مستوياتها ومسمياتها وما داخلها وقاطعها من علم .
٤. الالمام بالأخبار والتراجم والسير وأيام العرب .
٥. العناية بالحداثة والتكنولوجيا والرقمنة الحديثة والتطور .
٦. معرفة واستنباط الأساليب والأغراض والتصاوير والرموز من المادة المعنية .
٧. أن يكون للناقد ملكة الكتابة والقراءة والخطابة وفن الإلقاء وتيسير توصيل المعلومة للمتلقي.
٨. تنمية الموهبة الفطرية والتمييز الأكاديمي والمعلومة المجردة مع مراعاة المواهب والعبقريات بلا شك .
٩. المقدرة على التكييف المقارنة والتحليل والمقاربة والاستنتاج والتلخيص .
١٠. الحضور الكاريزمي والشخصية الطاغية الواعية المؤثرة على المتلقي .
ثالثاً ، من المعايير النقدية الأدبية الحديثة
يمكن تلخيصها رغم قلة خبرتي في هذا المجال نظراً للتطور العالمي الملحوظ في باب الآداب عموماً اعتماداً على ما سبق في البندين أعلاه ، على النحو أدناه :
١. عدد المؤلفات المطبوعة للكاتب أو الناقد .
٢. عدد النسخ المطبوعة للمؤلَّف الواحد أو كل المؤلفات .
٣. الدار أو الجهة الناشرة ووزنها في نشر الثقافة بشقيها المكتوب المنشور والمسموع أو المشاهد .
٤. نسبة المطالعة والمشاهدة للكتاب ، أي عدد القراء وتقييمهم .
٥. نسبة وعدد القراءات المكتوبة والمسموعة والمشاهدة من المتلقي للمادة المطروحة .
٦. وزن الكاتب ومؤلَّفه ودرجته وقيمته الفنية والعلمية والأدبية وخلافه .
٧. خضوع التقييم النقدي لقيمة الموضوع المطروح في الكتاب المعني لنقاد متخصصون .
٨. الميديا لا تصنع كاتباً ولا ناقداً ولا عالماً ولا أديباً ولا مفكراً إلا من عالم خيالي خرافي وليس مبدعاً حقيقياً مؤثراً في مجتمعه وبيئته وبلده .
٩. الدراسات النقدية الأدبية والثقافية والفكرية الأكاديمية العلمية وخلافه اسناداً للعمل المكتوب أو المسموع أو المشاهد .
١٠. أهمية الكتاب أو المادة بالنسبة لموضوعها لدى المتلقي ونسبة تأثر وتفاعل المجتمع لها وبها .
رابعاً ، آلية النقد ووسائله
بالنظر للكم الهائل من المعلومات المتدفقة على الميديا والتطبيقات الذكية غثها وثمينها لسرعة تناولها وهضمها والتفاعل معها سلباً أو ايجاباً ، ورجوعاً لقلة الاقبال على الكتاب الورقي عالمياً إلا من المختصين والمهتمين وأمثالهم ، التعريف بالكاتب واهتماماته المعرفية المرجعية في حين يفترض أن يكون الاهتمام به من أهم العمل الإعلامي الدعائي له ولمنتوجه المكتوب وما يحدث الآن العكس ، لكن بالنسبة لحكم الوقت فإنَّ كثيراً من الآراء النقدية الأدبية المرجعية الورقية القديمة المكتوبة تظل إمَّا ارثاً أدبياً كلاسيكياً باقياً على أرفف التاريخ البشري بامتداد الزمان والمكان لا تمتد إليها العقول بحاجة ولا لحاجة ، وإمَّا أن تظل حبيسة المناهج التعليمية المرجعية لصاحبها فقط لطلب التحصيل الأكاديمي الجامعي وما فوق الجامعي لطالبه .
عليه أقترح أن تكون آلية ووسيلة المعايير النقدية في عصرنا الحالي لأي مؤلف كان ولأي كاتب وناقد وباحث يكون على النحو أدناه :
١. عمل منصات إلكترونية رسمية من الجهات المعنية للتقييم والدراسة من المتلقي أو المهتم .
٢. عمل مرجعية أكاديمية متخصصة في تعريف كيفية التعليق النقدي المحترم سلباً أو إيجاباً على المادة المقصودة .
٣. الدراسات الورقية النقدية الأدبية تكون مكتوبة وتعتبر الأعلى سقفاً في التقييم من ذوي الاختصاص.
٤. انشاء مراكز بحثية متخصصة في القراءات والمراجعات والمناقشات بالمعالجة والتدقيق والتصويب وخلافه ، قبل الطبع .
٥. عمل لجان متخصصة كل لجنة لها مهمة نقدية خاصة لا تتعارض مع الأخرى مثال الشعر والرواية ، ولا تتدخل في قرارها أو حيثياتها .
٦. إبعاد الشلليات واللوبيات واراءهم من التقييمات الحقيقية للمادة المعنية.
٧. فتح مسارات نقدية مكشوفة تتعهدها بالمراجعة والمناقشة قبل الطبع وليس بعده .
٨. التوثيق والارشفة الإلكترونية عبر منصة خدمات إلكترونية لتسهيل تناول المعلومة أو المادة وقبل ذلك الورقية فيما كتب عنها وفيها .
٩. مراعاة الخصوصية لكل منشط فكري ما أمكن .
١٠. مراعاة الحريات في التناول والتداول والرأي والتعليق وخلافه ، دون الخدش أو المساس بحريات الآخرين والشخصنة .
خامساً ، الأهداف والكليات والغايات
مما سبق ، بصورة عامَّة يتضح المراد من هذا العنوان ( من المعايير النقدية الأدبية الحديثة ) لكن للتبسيط يمكن تلخيصه في الآتي :
١. إنَّ قضية الثقافة والأدب والنقد وما أشبه، قضية أمن قومي وطني في المقام الأول والأخير وتعتمد أولاً وأخيراً على المنهج التعليمي المدروس بعناية فائقة في كل المساقات والمستويات التعليمية في الدولة، ونظرة سياسة الدولة الاستراتيجية الطويلة المدى فيما تريده من جميع هذه التخصصات العلمية الفكرية وفيما بعد تتخذ الفرديات أولويات لها لتحقيق الهدف الأسمى من رؤيتها وهو حماية الدولة من التغول المشين على موروثها المكتسب والمتجدد عبر آلية تأهيل وإعداد رسلها الأخيار في كافة العلوم الإنسانية المجتمعية الحديثة والقديمة .
٢. إعادة النظر في قوانين النشر والطباعة والمصنفات الأدبية والثقافية والفكرية ولجان النظر والتقييم والعلوم الإنسانية بعامة بما يتوافق مع سياسة الدولة وحركة المجتمع المحلي والاقليمي والدولي من حولها اتساقاً واتفاقاً في كافة العلوم الإنسانية العالمية.
٣. الاهتمام والمتابعة والتقييم والدراسة من الجهات المختصة للدولة بالنسبة للقيادات والكفاءات الوطنية المبدعة والخلاقة التي يرجى منها عبر تسهيل وتطوير الأبحاث النظرية والتجارب المعملية العلمية وخلافه .
٤. التمويل المالي النقدي ليس شرطاً مباشراً في ترقية الكفاءات والقيادات المنتظرة بل يمكن دعمهم من طريق التذليل الإداري والحوافز المعنوية وتمهيد المساقات الفكرية النظرية والعملية والمهنية وهلم جرا مادياً أو معنوياً أو الاثنين معاً .
٥. ترقية الذوق العام اخلاقياً وتربوياً وسلوكياً وعملياً .
٦. التنمية الاجتماعية والثقافية والفكرية والأدبية المستدامة وخلافه للعقل الجمعي المستهدف .
٧. التعايش السلمي الإنساني العالمي المتجدد المتسارع بطبيعة الحال.
٨. الاستفادة من الطاقات المعرفية في نهضة وخدمة وتقدمة الدولة عالمياً في كافة المساقات الفكرية النظرية والعملية والمهنية وهلم جرا، منافسة ومشاركة واندماجاً .
٩. المحافظة على شكل الدولة وتنمية قدراتها المجتمعية الحديثة والقديمة بالمحافظة على التراث المادي والمعنوي وتطويره .
١٠. الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية وأثرها الممتد في الزمان والمكان والتبادل المعرفي والتواصل الإنساني العالمي والدفع بحركة الحياة نحو العلم والتعلم ومحو الأمية والطبقية ودورها الرسالي في التحول الايجابي بأي وسيلة كانت تحت مظلة الفكر وقانون المعرفة.
خاتمة
إنَّ من الحق بمكان المحافظة على المجتمع البشري في عقله ونمط حياته ومعاشه بالطرق المعرفية وإنَّ النقد أحد أهم هذه الوسائل النافذة المباشرة لكن دون خبط عشواء أو ادعاء خواء فإنَّ ذلك مما يهدم الروح ويقعد بالجماعة وينسف القوانين الطبيعية لناموس الكون بحق المعرفة الجادة والنقد الايجابي الهادف الذي لا يعرف الخنوع ولا المجاملة ولا التكسب غير المشروع سواء كان هذا التكسب شكلي بارتقاء المنابر والعقل خواء أو موضوعي يستحق التصفيق والمساندة والعطاء، في كلا الحالتين علينا وضع أسس دستورية منهجية تعليمية مدروسة بعناية فائقة تعيد هيبة الدولة وسيادة القانون في المجتمع الدولي والحضارة الحديثة والمدنية المتجددة لترتقي بالسودان أولاً للسودان دائماً ، حيث أخص بهذه الكلمة بلادي وشعبي السودان، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
![]()