بيت الشعر في الخرطوم منصة تصنع الشعراء وتعيد تشكيل المشهد الثقافي السوداني
محمد الصديق يكتب

لم يأت تأسيس بيت الشعر في الخرطوم بوصفه مشروعًا ثقافيًا عابرًا أو مبادرة احتفالية مؤقتة بل كفكرة مؤسسية تسعى إلى إعادة الشعر إلى موقعه الطبيعي في قلب الحياة الثقافية السودانية. ففي بلد ظل الشعر فيه وسيلة تعبير أساسية عن الوجدان الجمعي ومرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية، وكان من الضروري إنشاء فضاء منظم يحتضن التجربة الشعرية ويوثقها ويدفعها نحو آفاق جديدة. وقد تولى الإشراف عليه منذ التأسيس الشاعر والأكاديمي الدكتور صديق عمر صديق.
اختير لبيت الشعر موقع ذو دلالة: داخل حرم جامعة الخرطوم، قرب معهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية، وكأن التأسيس أراد أن يقول إن الشعر ليس ترفًا ثقافيًا بل امتدادًا طبيعيًا للمعرفة وأن اللغة التي صاغت الوعي العربي قرونًا ما تزال قادرة على إنتاج المعنى في الزمن الحديث.
جاء تأسيس بيت الشعر ضمن مشروع عربي أوسع لنشر بيوت الشعر في عدد من العواصم العربية وقد اختيرت الخرطوم لاحتضان هذا المشروع نظرًا لما تمتلكه من إرث شعري ثري يجمع بين الفصيح والدارج وبين التراث والحداثة.

وضع بيت الشعر لنفسه أهدافًا واضحة تتجاوز فكرة تنظيم الأمسيات الشعرية. فقد سعى أولًا إلى دعم الشعراء، خصوصًا الشباب منهم، عبر توفير منصات للقراءة والنشر والتفاعل النقدي وإتاحة مساحة للتجريب وتبادل الخبرات. كما عمل على تنشيط المشهد الثقافي من خلال الندوات والملتقيات والفعاليات التي تستضيف شعراء ونقادًا من السودان وخارجه مما أوجد حالة من الحوار الشعري المتواصل.
وفي هذا السياق برز عدد من الشعراء الذين شكلوا ملامح التجربة داخل بيت الشعر وأسهموا في ترسيخ حضوره محليًا وعربيًا. من بينهم الشيخ موسى محمد حامد، صاحب الديوان المطبوع “ذكرى خافقة القباب “والذي تم اختياره مرتين في مسابقة أمير الشعراء وشارك في عدة أمسيات داخلية كما شارك في مهرجان الخرطوم للشعر العربي ٢٠١٩، الدورة الثالثة، مؤكّدًا حضور التجربة السودانية في الفضاء العربي.
كما يبرز اسم حسن حامد حسن، عضو منتدى الثلاثاء ببيت الشعر الخرطوم ومنتدى نيالا كافيه الذي فاز بجائزة بيت الشعر الخرطوم ٢٠٢٢، وهو نموذج للشاعر الشاب الذي وجد في البيت منصة انطلاق وتثبيت تجربة. ومن الأسماء اللافتة كذلك حامد محمد حامد الذي فاز بجائزة بيت الشعر الخرطوم ٢٠٢١، وتم اختياره ضمن القائمة الطويلة في مسابقة كتارا لشاعر الرسول ٢٠٢١، كما تم اختياره في مسابقة أمير الشعراء عام ٢٠٢٢، وشارك في مهرجان بيت الشعر الخرطوم الدورة السادسة ٢٠٢٢، وله ديوان مطبوع في مدح النبي ﷺ بعنوان “بكاء المزون”، وهو مثال للشاعر الذي جمع بين البعد الروحي والحضور المؤسسي. أما الشاعر محمد جدو أحمد الدرديري فقد فاز بجائزة بيت الشعر الأولى ٢٠١٧، وشارك في مهرجان بيت الشعر الأول ٢٠١٧، وله ديوان مطبوع بعنوان “رسائل البرق”، وشارك في عدة أمسيات أقامها بيت الشعر، مسهمًا في تثبيت البدايات الأولى للمؤسسة. ويأتي كذلك محمد الحبيب يونس، خريج جامعة النيلين كلية الآداب قسم اللغة العربية وهو شاعر سوداني وناقد وكاتب قصة قصيرة. صدر له ديوان “عزلة مثقوبة” عن دائرة الثقافة بالشارقة عام ٢٠٢٤، وفاز بجائزة الإيسيسكو الشعرية عاصمة الثقافة بعيون الشعراء عام ٢٠٢٢، كما فاز بجائزة بيت الشعر الخرطوم للشعر الفصيح عام ٢٠٢١. وشارك في ملتقى نقد الشعر السوداني الدورة الخامسة بورقة علمية بعنوان: جدلية الواقع والمثال في الشعر السوداني: مقاربة سيميائية وشارك في مهرجان الخرطوم للشعر العربي الدورة السادسة ٢٠٢٢. وله مخطوطة قصصية ومخطوطتان شعريتان، إضافة إلى مقالات وبحوث نقدية منشورة ورقيًا وإلكترونيًا مما يعكس تداخل الإبداع الشعري مع الرؤية النقدية داخل بيت الشعر. ومن الشعراء الذين تألقوا كذلك داخل هذا الفضاء الثقافي أنس عبد الصمد نجم، شاعر وإعلامي، فاز بجائزة بيت الشعر عام ٢٠١٩، وشارك في مهرجان بيت الشعر الدورة الثالثة عام ٢٠١٩، وله ديوان مطبوع بعنوان “تمائم أبنوسية” صدر عن دار الأجنحة، ليجسد حضور الشاعر الذي يجمع بين الحس الإبداعي والخبرة الإعلامية في آن واحد.
عمل المؤسسة لا يقوم على النشاط الاحتفالي فقط بل يتوزع بين برامج دورية وأخرى موسمية ومبادرات مؤسسية. فهناك أمسيات شهرية واحتفالات بالإصدارات الجديدة ومشاركات في مناسبات وطنية وثقافية، إضافة إلى شراكات مع الجامعات واتحادات الكتاب والمؤسسات الثقافية العربية. هذا التنوع جعل بيت الشعر أشبه بمركز حراك شعري لا مجرد قاعة للفعاليات. وقد أسهم في إعادة الاعتبار للشعر الفصيح وفي الوقت نفسه عمل على إدماجه في الفضاء الثقافي العام باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية السودانية. كما أسهم في خلق جيل جديد من الشعراء وفي إدخال النقد الشعري إلى الفعاليات بوصفه عنصرًا مكملًا لا تابعًا. ورغم ما واجهه من تحديات وضعف التمويل الثقافي وهجرة بعض الكفاءات، فإن بيت الشعر ظل أحد أبرز المنصات التي حافظت على حضور الشعر في السودان وساهمت في إبقائه جزءًا من النقاش الثقافي لا مجرد ممارسة نخبوية معزولة. وهكذا أصبح بيت الشعر في الخرطوم علامة ثقافية تحمل بعدًا رمزيًا يتجاوز النشاط الأدبي؛ فهو تعبير عن هوية لغوية وأدبية واستمرار لتقليد شعري عريق وجسر يصل بين التراث والحداثة، وبين الذاكرة والمستقبل.
![]()