آخر الأخبار
The news is by your side.

أيَّام مع وردي.. بدرالدين العتّاق

أيَّام مع وردي
تحليل وسرد

بدر الدين العتَّاق
تعريف بالكتاب

تسعة مواقف جمعت بين العملاقين الدكتور محمد وردي والدكتور أنس العاقب حامد ، في كتابه الموسوم ” أيام مع وردي ” الصادر عن دار درة الشرق في طبعته الأولى ٢٠٢٥ ، وقد ذكر المؤلف هذه المواقف صفحة : ٣٨ ، ٦١ ، ٦٨ ، ٧٥ ، ٨١ ، ٩٠ ، ٩٨ ، ١٠٥ ، ١٥٤ .
الكتاب منقسم إلى قسمين : القسم الأول سيرة ذاتية تعريفية بالكاتب من ص ٨ إلى صفحة ١٠٣ ، والقسم الثاني من صفحة ١٠٤ لغاية صفحة ١٦٢ .
جمع الكتاب بين متعة السرد في سبع مقالات طِوال ، التداعيات والذكريات والمذكرات والمواقف الشخصية الحياتية المعاصرة وبالذات السودانية التي عاشها الكاتب منذ ميلاده ببربر 1940 ونشأته بكسلا حتى قدومه إلى الخرطوم ومن ثم لجوئه إلى مصر بعد حرب 15 أبريل 2023 / راجع المقدمة والاهداء / ، وفائدة المعلومة العلمية الأكاديمية الفنية والتحليل الموسيقي المميز في أربع مقالات آيات عجيبات في التنويع والإغناء المعرفي العلمي الفني الموسيقي والشعري ، عن لب الموضوع لبعض ما تعرَّض له حول موضوع الكتاب عن أغنيات وردي مما أخرج لنا ثمرة شهية زكية للمتذوقين من المهتمين والباحثين وغيرهم لن تنفك زمناً طويلاً بلا شك .
قراءة في النص
هنا أنا آخذ بعض النصوص التي استوقفتني اثناء مطالعتي والتعليق عليها حينما قرأت هذا الكتاب الجيد الممتع من لحظة اهدائه لي أواخر نوفمبر 2025 في ليلة واحدة لم انفك عنه لشغفي بالأستاذ وكتاباته ووردي وتداعياته وأغنياته حيث بدا لي أنَّ هذا للسفر أول سفر يكون بتلك الحرارة من قوة المشاعر بين السرد الذاتي وبين التحليل العلمي للقصيدة الغنائية ولا أدري من سبقه غير البروفيسور الفاتح الطاهر دياب ، في كتابه ” أنا أم درمان ” 1993 وكتاب : ” الموسيقا السودانية ، تاريخ ، تراث ، هوية ، نقد ” للكاتب جمعة جابر 1986 حول تطور الفن والموسيقا والغناء في أم درمان والسودان عموماً .
ولقد اطلعت على كتاب بروفيسور الفاتح الطاهر سنة 1994 بعد صدوره مباشرة إبَّان كنت أعمل بائعاً للصحف والمجلات بمكتبة بشارع الإذاعة السودانية وقد علق بالذهن والذاكرة الخربتين بعض الشيء وقد انتبهت آنذاك لجملة من آرائه حول أول زيارة للأستاذ الفنان المرحوم محمد الأمين لبريطانيا لرحلة علاجية بعد أن استمع له الزعيم اسماعيل الأزهري في مناسبة ما ، قال : [ حوَّل التكرار وتشابه العبارات إلى أدوات للتعبير بصوته الفريد الذي يمتلك كاريزما طاغية حتى لو ترنم بلا كلمات وهذه نعمة يهبها الله لمن يشاء ] ص ٥١.
قلت : هذه العبارة مهمة جداً وجيدة ومباشرة وتصنيف حقيقي لا مجاملة فيه ، حيث يرى حامد إثر خلفيته الموسيقية وتخصصه في التأليف الموسيقي استنباطه للجمع بين المفردة والأداء الصوتي لوردي من كونها هبة ربانية محضة وأنا اتفق معه لا من حيث رأيه المتخصص لكن من باب تذوقي أنا لأغنيات وردي جملة وتفصيلاً .
خذ مثالاً أغنية ” أصبح الصبح ” ص ٥٥ قال : [ كانت كلمات النشيد في الأصل تعبيراً عن الثورة الأفريقية والتنادي بشعاراتها وهتافاتها والانتصار بها لأجل الحرية والديمقراطية ] قلت : لم يكتبها الفيتوري للسودان بخاصة لكن وظفها وردي للسودان فصارت إحدى ايقونات الحراك الوطني والنضال الثوري الشعبي التي لا يمكن تخطيها بحال من الأحوال.
من ناحية أخرى ، يُقرأ هذا الكتاب مقروناً مع الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية وخلافه للحياة السودانية بعامَّة ، وليس بمعزل عنها بل هو مكمل لحلقات الذكريات بين وردي وآخرين ، استنباطاً من ص ٦٢ ، وهذا واضح لمن قرأ الكتاب .
الفقرة ص ٧٠ : [ كان يطيب لي التحادث مع وردي متى ما اتيحت لي الفرصة ، وكان وردي يستطيب ذلك معي … إلخ ] أجد أن هذه الفقرة لا تخلو من تقييم زائد عن الحد لوردي أو لعلها العلاقة القوية بينهما ، الله أعلم أي ذلك كان ، ولكني أميل للأولى .
أمَّا عن تقييمه لصوت وردي من الناحية الموضوعية الفنية والتحليل الموسيقي المميز فيقول من صفحة ٧٨ : [ المدهش أن صوت وردي الواسع المساحة ظل محصوراً في منطقة وسطى هادئة لم يتعداها استجابة لرومانسية الكلمات وشفافية اللحن ] هذا عندما تحدث عن أغنية ” مافي داعي ” لمحمد عثمان كجراي ، قال :
ارتعاشاتك بتحكي
قصة أحلامك معايا
كل خفقة في قلبي نغمة
تحكي ليك شوقي وهوايا
انت في بهجة شبابك
وحبي ليك من غير نهاية
مافي داعي .
وفي ذات السياق [ الآن تأكدت أنه ” ما بطال ” عندك هي ” شغل كويس ” ، وذكَّرته بتقييمه لي عندما التقينا أول مرة عام ١٩٦٩ ] ص ٨٢ ، أراها محاورة ذكية من أنس العاقب لتثبيت إعجاب وردي به .
هذا ! وليس أبدع ولا أبرع من تحليله لأغنية ” عصافير الخريف ” التي كتبها الشاعر الكبير إسحق الحلنقي صفحة ٨٣ – ٨٤ قال : [ أغنية ” عصافير الخريف ” بدأها وردي بمقدمة في ايقاع التُمْتُمْ المتمهل لأول مرة ، فقد كان يدخره وردي دائماً إمَّا في داخل السياق أو في الكوبليه الأخير ] الخ .
وتابع صفحة ٩٤ قال : [ إنَّ وردي بأغنية ” قلت أرحل ” وصل بمسيرة الأغنية إلى نهاية مطافها الخماسي من حيث شكل القالب والبناء اللحني والغنائي ، وأنَّها استنزفت كل الخصائص الخماسية التي كان يجب أن يتسم بها غناء مرحلة ما يسمى اصطلاحاً بغناء المدرسة الفنية الأولى ] الخ .
ولعلك تتفق معي لحد ما كبير أيها القارئ العزيز في رؤية أنس العاقب من كونه تحليل فني ونقد أكاديمي احترافي ورأي شخصي متمكن حيث قال : [ وجدتني مع آخرين منجذباً تماماً لهذه الأغنية التي كانت تمثل أسلوباً جديداً ينسب لوردي فقط ولا ينسب لمرحلة الحداثة عموماً ] ص ١٠٥ ، ” قلت أرحل ” وهذه اشارة مهمة للغاية من حيث التعريف والتصنيف والتذوق والتخصص .
ويقول العاقب في ذات السياق : [ مع إني أرى أنَّ فن المديح النبوي في السودان هو الأسبق من فن الحقيبة بحوالي قرنين ، وبذلك يكون فن المديح هو المدرسة الفنية الأولى وأن فن الحقيبة هو سليل فن المديح متسماً بأغلب خصائص المديح … إلخ ] ثم عاد وردي ليكون أول مؤسس للمدرسة الفنية الحديثة [ ولوردي يعود السبق في زخم مسيرة حركة الغناء بتجديدات هيكلية وأساليب لحنية مع تفخيم شكل الأداء الاوركسترالي الذي أصر عليه وردي واثبته لنفسه ثم ثبته للآخرين فصار جزءاً من الأسلوب العام الممارس إلى يومنا هذا ] ص ٩٥ ، قلت : وفي هذا شهادة بليغة لأسبقية فن المديح النبوي لحقبة ” أغنيات الحقيبة ” التي ظهرت سنة ( 1919 – 1947 ) تقريباً وأول من انتسبت له التسمية ( حقيبة الفن ) هو الأستاذ المرحوم صلاح أحمد محمد صالح سنة 1954 ، ويدحض لمن يدعي بأنَّ إبراهيم الكاشف أوَّل مؤسس لفن المدرسة التجديدية الاوركسترالية الحديثة وهنا يمكن أن يراجعها المختصون .
تأتي القفزة للأمام وللفن عموماً حينما تحدث أنس العاقب عن النحو التجديدي في انتاج وردي الفني [ فهو لم يكن على نسق طردي متصاعد بدرجات متساوية ] ص ٩٦ واستدل عليه باختياره للأغنيات : الطير المهاجر ، بناديها ، قلت أرحل .
كنت أرجو على الدكتور أنس العاقب أن يمتعنا بالمزيد من الكتابات الراقية الموضوعية الهادفة وأن لا يتوقف عنها [ ولكن برغم ما لحقني من حيف واعتداء ، لا أنكر أبداً أنني كنت سعيداً بنجومية الكتابة بعد تراجع نجومية الغناء ] ص ١٠٢ ، لأنَّها لا تحوي فقط التوثيق والتاريخ بل إضافة إلى ذلك تجمع ما بين المتعة والفائدة .
وقفة مع الشعراء
وعن الشاعر الكبير التجاني سعيد صاحب أغنية ” قلت أرحل ” ، يعطيه حقه غير مبخوس من الإشادة والتقدير فتراه يقول من صفحة ١٠٧ : [ إن شاعراً مقلاً في كتابة الشعر الغنائي تمكن أيضاً برؤية نافذة ببصيرة الشعر من أن يخترق حجب المعاني العصية في ترجمة الحس الوجداني الكامن بين عاطفة الحب الإنساني وبين الانتماء والالتزام بحب الوطن ] قلت : هذه شهادة رائعة للغاية وموضع استشهاد لأفضليتها على سواها من الأغنيات.
ومن أشد ما أعجبني التحليل العميق لحس الأستاذ الكبير أنس العاقب بتسمية وتقطيع الإحساس الذي صدح به وردي أو ما وقع في نفسه ووجدانه من ترديد وردي للمقطع ( رحلت وجيت ) وما نتج عنه لسبع تفاعلات رائعات : التردد ، التودد ، الاعتزام ، اليأس ، التحسر ، المفئود ، البكاء ، بالله عليك أيها القارئ الكريم قل لي كيف وصل العاقب لهذه الاستنباطات للأحاسيس مجتمعة من جراء تكرار وردي لمقطع واحد بأحاسيس متعددة ( كل الأرض منفى ، منفى ، منفى ، اه اه آآآآآه ) بصوت وردي الشجي العجيب ؟ .
في المقالة الثالثة ركز أنس العاقب على الشاعر الكبير القدير عمر الدوش عند تناوله لأغنيته ” بناديها ” و” الود ” ، قال : [ التي كتبها عمر الطيب الدوش برؤية وضمير إنسان موجوع وفنان يتعذب لكنه يظل يحلم ويحلم في خضم عالم غريب عليه ويعيش فيه ] ص ١٤٢ .
وفي المقالة الرابعة أشد ما أعجبني كلمته عن أغنية ” الود ” فهي بالنسبة لي لن تتكرر على أي مستوى فني كان وهي أيقونة معتقة من ايقونات وردي الكثيرة :
أعيشهْا معاكَ لو تعْرف
دموع البهجَهْ والأفراح
أعيشهْا معاكَ واتأسّف
على الماضى اللّى ولَّىَ وراح
على الفُرْقَهْ الزمانا طويل
على الصبر الّى عِشْنَاهو
مع طُول الألم والليل
زمان كُنّا بنَشيل الوُّد
ونَدِّى الوُّد
وفى عينينا كان يكْبَر
حناناً زاد
وفات الحدَ
زمان ما عِشْنَا فى غُرْبَهْ
ولا قاسينا نِتْوحّد
وهسَّع
رُحْنا نتْوجّع
نعيش بالحسرَهْ نتأسّف
على الماضى اللِّي ما بِرْجَع
أحبَّك
لا الزمن حوّلْنى عن حُبّك
ولا الحسرَهْ
وخوفي عليكَ يمْنَعْنى
وطول الإلفَهْ والعُشْرَهْ
وشوقي الليك طوَّل
لسّه معاي
ولى بُكْرَهْ
لسه معاي
خروج بانتهاء النص
لم يزل في النفس شيء مما أريد قوله في هذا الموضع لكن عسى أن أجد الفرصة مرة أخرى لأكتب عنه وعن هذا السفر القيم بلا شك حيث كان الدافع زيادة على ما ذكرته هو اهداءه لي كتابه ” أيَّام مع وردي ” للاطلاع عليه ومناقشته وأشكره على ذلك إذ أتحفني ماتعاً ومؤرخاً لفترة مهمة من تاريخ الأغنية السودانية عبر مسيرتهما ، وردي وأنس ، وهأنذا أفي بما وعدته ولله الحمد .
( اهداء للأخ الأديب الشاعر / بدر الدين العتَّاق، بكل الاعزاز والتقدير ، أنس، ١٧ / ١١ / ٢٠٢٥ ) .

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.