آخر الأخبار
The news is by your side.

نور على نور …. بقلم: د. هاشم غرايبه

نور على نور …. بقلم: د. هاشم غرايبه

قال لي صاحبي: عقلي يتعبني، فأنا وإياه في صراع، فهو لا ينفك يمطرني بأسئلة الشك، وأخشى منه على إيماني.

تفهمت قلقه، فكل خسارة يمكن تعويضها إلا العمر والإيمان، قلت: له ما تشكو منه أمر معتاد، فهكذا هي طبيعة العقل، تنبني القناعات عنده عندما يجد الإجابات التي ينشئها الشك، الشك ليس آفة إنما هو أداة عقلية، ولا يمكن أن يترسخ يقين بلا شك سبقه، ولذلك قال عمر الفاروق:” اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز”، ذلك لأن هذا النوع من الإيمان يتحقق بإلغاء الشك، وبالتالي فهو قسر العقل على تعطيل آلية المحاكمة، وكان عقل عمر يقظا لا يقبل التسليم بأمر من غير إخضاعه لموازينه الصارمة.

من رحمة الله بالإنسان أن أوجد فيه فطرة الإيمان، فهو يتوجه تلقائيا نحوه، وما يحول دون ذلك الأهواء والمصالح وليس التفكير السوي، لذلك ومنذ القدم لا يجد المشككون في وجود الله أو بالدين من حجة غير السؤال: إذا كان الله قد أوجد الموجودات من العدم، فهل خلق نفسه من العدم؟ وكيف يصنع العدم وجودا؟.

طبعا لا يمكن للعقل أن يجيب عن هذه الأسئلة لأن أدواته مادية نسبية، فله حدود لا يتجاوزها، فلا يمكن تحكيمه فيما لا يملك له إحاطة ولا تصورا.

الحل هو الوقوف عند حافة العقل العليا لأن تجاوزها سقوط في المجهول، وهذه الحافة القصوى هي حقيقة أن الله الخالق المدبر موجود منطقيا بحكم وجود أفعاله، وبحكم استحالة إثبات عدم وجوده، ومن ثم البناء على ما بعدها وليس على ما قبلها فذلك خارج تلك الحافة، وليس بإمكانه الخوض في مجاهلها.

بعد التسليم بحتمية وجود إله، فأول الحقائق التي يتوصل إليها بالاستنتاج المنطقي هي أنه يجب أن تكون كل الموجودات خاضعة لإرادته خلقا وتدبيرا، وثانيها أنه يجب أن يكون فردا متفردا، ليس له نظير ولا بديل، وإلا لتعددت الأنظمة والقوانين الطبيعية ولتضاربت.

لكن يبقى السؤال: لو اتفقنا على وجود القوة العليا المهيمنة، فهل الدين منه أم من صنع بشر مصلحين نسبوه له لكي يكتسب القدسية ويتقبله الناس؟.

الدليل المادي القاطع هو القرآن الكريم، والدليل على أنه كلام الله وليس من عند البشر، أنه لغويا لا مثيل له ولا نظير، فهو متفرد بذاته، واختلافه عن كل كلام بشري قبل نزوله أو بعده، جلي بشكل ساطع، سواء ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم (الأحاديث الشريفة) أو كلام الأدباء والشعراء، كما انه من حيث المضمون بناء متكامل لا تناقض في أحكامه ولا زلة ولا استدراك، رغم أنه نزل على أمي لا يمكنه تدوينه لأجل التذكر والتعديل، ومتفرقا على مدى 23 عاما.

أما الأدلة المنطقية فأهمها:

أولا: من ملاحظة ربط النتائج بالمسببات في كل شيء نستنتج أنه لا عبثية في الوجود، بل كل شيء له برنامج يحكم أداءه ووظائفه، إذن هنالك مسار محدد وطريق مرسوم.

ثانيا: من ملاحظة أن كل الكائنات موجودة لنفع الإنسان أو لتنظيم حياته، فلا تجد في الأرض شيئا موجودا بذاته ولذاته، وحتى تلك الكائنات الدقيقة ( الميكروبات) الضارة، هنالك أهداف لها في مهاجمة جسم الإنسان للفتك به، ويقابلها نظام مناعي وأدوية وأمصال مضادة تحفظ توازن صحة الإنسان وحياته.

ثالثا: الكائن الوحيد الذي يتمتع بالعقل هو الإنسان، لذا يملك خيارات التصرف في نفسه وفي كل الكائنات الأخرى، فيما كل الحيوانات والنباتات مهيأة لمسار محدد لا تملك عنه تحولا.

بناء عليه نستنتج أن وجود الإنسان في الكون ليس صدفة ولا عبثيا، بل له وظيفة هي الاستخلاف في الأرض، وتتمثل بإعمارها والحفاظ على التوازنات الدقيقة الناظمة لعلاقات الموجودات، وهذه مسؤولية يحاسب عليها فيثاب أو يعاقب، لأنه بخلاف سائر الكائنات الأخرى امتلك الاختيار فوجب التكليف.

لضبط هذه المسؤولية وتحديد مداها كانت التشريعات، وانزلها الله عبر الرسالات السماوية، والتي حددت معالم الدين تدريجيا وعلى فترات، تتوافق مع تطور مدارك الإنسان ومعارفه، حتى استكمل نهائيا قبل خمسة عشر قرنا.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.