آخر الأخبار
The news is by your side.

نظرة دستورية وقانونية في المرسوم المؤقت تسهيل أداء الأعمال 1/2.. بقلم: نبيل أديب

“قدمت هذه الورقة في الورشة التي عقدتها نقابة المحامين حول المرسوم المؤقت تسهيل أداء الأعمال”
في سبتمبر الماضي وقبيل إنعقاد الدورة البرلمانية بأيام قليلة، أصدر السيد رئيس الجمهورية، مرسوماً مؤقتاً (قانون التعديلات المتنوعة تسهيل أداء الأعمال لسنة 2018). وهذا المرسوم هو إعادة إصدار للمرسوم المؤقت رقم 11 لسنة 2018 والذي يحمل نفس الإسم، ونفس الأحكام التي حملها ذلك المرسوم والذي سرى لعدة شهود هو عمر الدورة البرلمانية التي تلت صدوره. وقد أثار المرسوم المذكور في فترة حياته القصيرة خلافات حادة بين أهل القانون فيما تناوله من أحكام تقع في مركز إهتماماتهم، وقد إنقسموا حوله بين مؤيد ومعارض إنقساما لم تحكمه، لأول مرة منذ فترة طويلة، ميولهم السياسية. ولكن ذلك المرسوم ما لبس أن سقط حين أغفلته الهيئة التشريعية حتى إنتهت الدورة البرلمانية، وقد ظننا جميعاً آنذاك أن ذلك كان حلا مناسبا يمهد الطريق لنقاش الأحكام التي جاء بها المرسوم بشكل يؤدي للتوصل لتفاهم بين أهل القانون حولها. ولكن ذلك لم يحدث بل تمت إعادة التجربة كما هي. أن يصدر نفس المرسوم مرة أخرى في نفس العام، بنفس الأحكام، يعتبر أمر غير مألوف بكل المعابير، فرغم أن الدستور لا يحمل حكماً يمنع ذلك، إلا أن سريان القانون وإلغائه ثم إعادة إصداره في فترة وجيزا يعني رهقا لمن يطبقه، بالأخص يتصل ذلك بقانون إجرائي، لأن تعديل الأحكام الإجرائية يخلق صعوبات حين يتم تطبيقها على الدعاوي قيد النظر، والتي تكون قد صُرِّحت وفق قواعد مختلفة، ثم يخلق إلغاؤها صعوبات مختلفة بالنسبة للدعاوى التي تكون قد صُرِّحت وفق القواعد التي تم إلغاءها. وهذا ما تكرر بالنسبة للقواعد التي شملها المرسوم فقد نَفَذَت ثم أُلغيت ثم أُعيد العمل بها مرة أخرى، وهي الآن في مرحلة قلقة بين الحياة والموت تنتظر مصيرها الذي سيتقرر فيما بقي من عمر الدورة البرلماني الحالية.
لا شك أن صدور تشريع من شأنه أن يغير شكل أو أحكام العلاقات التي ينظمها، من حيث هو، يتطلب درجة من الثبات تسمح له بإحداث الأثر المطلوب منه. وبالتالي ففيما عدا التشريعات التي تصدر في زمن الطوارئ أو الحروب، لمعالجة مسائل طارئة تحدثها تلك الحالة، وتزول بزوالها، فإن القانون، يفترض فيه أن يهدف لخلق قاعدة مستقرة لأن إستقرار القاعدة القانونية يؤسس لإستقرار المعاملات وهي مسألة مهمة لأي مجتمع. لما كانت المعالجة التشريعية لأي مسألة، هي معالجة يفترض أن تكون طويلة المدى، ولما كان المجلس التشريعي قد أبدى في المرة الأولى إعراضاً عن إجازة المشروع، فقد كان الأوفق سلوك السبيل العادي لإجازته، والذي يتيح مناقشة هادئة لأحكامه.
التوازن والمراجعة المتبادلة
Checks and Balances
رغم أن الأصل هو أن القوانين تصدرها السلطة التشريعية، إلا أن الانظمة الديمقراطية تتبنى مبدأ التوازن والمراجعة بين السلطات، منعاً للإستبداد الذي يؤدي إليه الإنفراد بالسلطة. لذلك فإن السلطة التشريعية في الأنظمة الراسخة في الديمقراطية، رغم إختصاصها الأصيل بتشريع القوانين، إلا أنها تفعل ذلك بمشاركة ورقابة السلطتين الأخريتين. فالسلطة التنفيذية تقترح القوانين، وتمتلك حق الإعتراض عليها، وهو الأمر الذي يلزم السلطة التشريعية بأغلبية معينة لإجازتها. والسلطة القضائية تمتلك سلطة تفسير القوانين والمراجعة القضائية بالنسبة لأعمال الإدارة تنفيذاً لتلك القوانين، كما وتمتلك سلطة مراجعة القوانين نفسها دستورياً.
المشاركة الشعبية في إصدار القانون
من جهة أخرى فإن حق المشاركة الشعبية والذي يشكل جزء هاماً من الرقابة الشعبية يلعب دوراً هاماً في صياغة القوانين التي تصدرها في شكلها النهائي السلطة التشريعية. وهو أمر تلجأ له الحكومات قبل تقديم مقترحها التشريعي للسلطة التشريعية في شكل مشروع قانون Bill. خاصة بالنسبة للمشروعات المتعلقة بقوانين أو تعديلات من شأنها أن تحدث تغييراً ذو أهمية خاصة بالنسبة لمن يفترض أن يتأثروا بأحكامه، أو بالنسبة للأحكام القانونية التي تحتاج لمعرفة فنية خاصة، تقوم الحكومة بطرح هذه القوانين على الشعب وعلى المختصين ليتم نقاشها على نطاق واسع في تلك الدوائر.
إصدار الأوراق
تلجأ الحكومات في المجتمعات الديمقراطية، في المسائل الخلافية، قبل إستخدام أغلبيتها في إجازة القانون، أو تقرير سياسة ما، إلى تكوين رأي عام حولها. وفي المسائل التي لا تكون الحكومة على قلب رجل واحد فيها، أو تلك التي لم تكن ضمن برنامجها الإنتخابي الذي إلتزمت به، تلجأ الحكومة لطرح المسألة للنقاش العام عن طريق إصدار ما هو معروف بورقة خضراء Green Paper تتضمن أحسن ما توصل إليه خبراؤها من أراء ومقترحات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن ما جاء في الورقة هو ما تتبناه الحكومة. وهذه الورقة تتيح للحكومة أن تقوم بطرح مايراه المختصون في السلطة التنفيذية لسماع رأي الشعب والخبراء المستقلون. وميزة هذا الطرح هو أنه يتيح للحكومة أن تنسحب من العمل على تبني ذلك الرأي دون أن تفقد ماء وجهها. أما إذا كانت الحكومة تدعم وجهة نظر معينة في المسألة، ولكنها لا ترى أنها جزء حيوي من برنامجها، أو تحتاج لضم الرأي العام لرأيها قبل السير في تبنيه بشكل رسمي، فإنها تصدر ورقة بيضاء تتناول المسألة من وجهة النظر التي تدعمها الحكومة، وذلك بهدف تسويق وجهة النظر تلك، قبل عرضها على البرلمان بغرض تبنيها كسياسة، أو كمشروع قانون تتم إجازته وفق فنيات إجازة التشريع.
ولابد لنا هنا أن نشير إلى أنه في أغلب الأحيان حين يكون القانون متصلاً بمسألة تحتاج لرأي فني، أو لتلمس رغبة المتأثرين بالتشريع، فإن الأحزاب غالباً تلجأ لأن تسمح بأن يكون التصويت فيها حراً، بمعنى أن تترك لأعضائها في البرلمان حرية التصويت بشكل فردي، لا حزبي. وهذا بالطبع في حالة أن يكون التشريع لا يتصل بركن حيوي من أركان سياسات الأحزاب التي خاضت الإنتخابات تحت شعارات تتصل بتحقيقها.
في كل الأحوال فإن تبني تشريع ما بواسطة الحكومة، هي مسألة تحتاج أول الأمر لأن يتم التوافق حولها من جانب الأجهزة القيادية للحزب الحاكم، ومن جانب التنفيذبين الذين يفترض أن يقوموا بتنفيذ التشريع بعد صدوره. ثم يأتي بعد ذلك عرضه على المجموعات التي ستتاثر مصالحها بصدوره، كل هذا يجب ان يتم قبل وضع مشروع القانون على مائدة البرلمان. والبرلمان لا يقرر في مشروع القانون بضربة لازب، بل يقرر فيه بعد نقاش مستفيض عبر القراءة الأولى، والثانية، ومرحلة اللجنة. ولما كانت مناقشات البرلمان، تُحظى بتغطية إعلامية، بالإضافة لأن المفترض أن يكون الأعضاء قد قاموا بإستشارة ناخبيهم في دوائرهم الإنتخابية، قبل التصويت على مشروع القانون، فإن ذلك يجعل المشروع يحظى بمناقشة واسعة.
إذا فإن تشريع القوانين بواسطة السلطة التشريعية، هي مسألة مهمة للمجتمعات الديمقراطية، تلعب فيها كلا من السلطة التنفيذية والدوائر الشعبية ذات الصلة دوراً هاما. هذا لا يقلل من أهمية دور المراسيم المؤقتة، ولكن يدعو لعدم إقحامها فيما لا دور لها فيه.
وأول ما تجدر ملاحظته في هذا الصدد، هو أن المرسوم المؤقت هو سبيل إستثنائي لمقابلة أمر طارئ عاجل، وليس ممرا لتجاوز الإجراءات المطولة للتشريع أمام السلطة التشريعية.
حدود سلطة إصدار مراسيم مؤقتة
معلوم أن الهيئة التشريعية القومية هي السلطة المختصة بالتشريع على المستوى القومي وفقاً للمادة (91) من الدستور ولكن المادة (109) من الدستور وبشكل إستثنائي منحت رئيس الجمهورية سلطة التشريع لمعالجة ظروف إستثنائية عن طريق إصدار مراسيم مؤقتة، وهي سلطة أحاطها الدستور بقيود لا يجوز تخطيها. أولها هو شرط غياب المجلس التشريعي، وثانيهما هو شرط وجود ظروف ذات طبيعة مستعجلة، هو شرط أساسي بدونه ما كان الدستور ليمنح سلطة التشريع للسلطة التنفيذية لما في ذلك من مخالفة للمنهج الذي إختطه في الفصل بين السلطات، مع المراقبة المتبادلة، والموازنة بينهم. وقد قصد الدستور بهذا الشرط أن لا تتحول سلطة التشريع للسيد رئيس الجمهورية تلقائياً لمجرد غياب المجلس التشريعي في فترة بين الدورتين، بل تطلب عنصر قيام أمر عاجل يستدعي ذلك. وإلا فما الذي يمنع من أن يترك التشريع المراد إصداره لحين عودة المجلس التشريعي، حتي يتم إصداره بالطريق المعروف الذي يوفر النقاش المطلوب في عملية إصدار القوانين. والثالث هو قيد موضوعي تمثل في أنه حظر عليه أن يُصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس مسائل معينة اولها وثيقة الحقوق وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 109.

الوضع في الدستور الهندي
الملاحظ هو أن دول العالم الثالث وحدها هي التي أخذت بسلطة إصدار المراسيم المؤقتة، و أهمها الهند ومصر ويلاحظ هنا أن الدستور الهندي والدساتير المصرية تتطلبت الشرطين: وهما أن يكون أحد المجلسين في غير حالة إنعقاد، وقيام أمر عاجل يستدعي ذلك. ولكن القضاء الهندي أخذ منحىً فريدا حين قرر أن تقدير الظروف التي تدعو لإصدار المرسوم هي مسألة خارج المراجعة القضائية، وهذه مسألة خارجة عن ما نحن فيه وقد كنت تعرضت لها بإستفاضة في مقالي المعنون “الدستور أولا” أرجو العودة له لمن أراد الإستزادة
التاريخ الدستوري السوداني
بالعودة للتاريخ الدستوري السوداني نجد أن إلتزام السلطة التنفيذية بعنصر الإستعجال كشرط لازم لإصدار الأوامر كان ثابتاً في جميع العهود الدستورية التي تبنت هذا الحكم حيث كان الإلتزام بتوافر عنصر العجلة يرتبط بالإلتزام بنص وروح الدستور وهو ما رصده وزير العدل الحالي الأستاذ محمد احمد سالم حين ذكر ” ففي السودان نجد أول مثال لحالات الاستعجال ، ذلك الذي اشار اليه السكرتير الاداري البريطاني وهو يقدم مشروع قانون المجلس التنفيذي، والجمعية التشريعية ،للمجلس الاستشاري لشمال السودان. لقد إفترض المسئول البريطاني أن تعديلاً قد جرى في مصر يتعلق بفئات الرسوم المتحركة الجمركية الأمر الذي يقتضي أن تسري الفئات الجديدة وبسرعة في السودان أيضاً . فإذا كانت الجمعية التشريعية ،غائبة فلا مندوحه من إصدار التعديل الجديد بأمر مؤقت . وفي الواقع فإن نظرة سريعة إلي المسائل التي نظمت بأوامر مؤقتة طيلة فترة الحكم الذاتي وفترة ما بعد الاستقلال قبيل نظام مايو ، تبين أن معظم هذة المسائل كانت مالية . وكانت الأوامر المؤقتة تصدر – في غياب البرلمان – لتعديل قوانين الضرائب، والجمارك ،والرسوم الداخلية ،وكذلك لتخصيص أموال من الإحتياطي، أو للحصول علي إعتمادات اضافية . ولا ينكر أحد أن عنصر العجلة هنا متوفر بل ولازم ، خاصة إذا كان الاحتياج للأموال المذكورة ملح لتسيير دقة الحكم . من جهة أخرى فان بعض الإجراءات الماليه تعتمد في نجاحها علي السرعة وربما السرية ، فزيادة سلعة ما مثلاً من شأنه إذا تأخر أو فشا أمره أن يؤدي لإضرار خطيرة بالإقتصاد الوطني وبالمواطن العادي.ومن الأمثلة أيضا قانون إنتخابات الجمعية التأسيسية لسنة 1968م الذى أصدره مجلس الوزراء بعد حل الجمعية التأسيسية الأولي ، إذ لم تكن هناك هيئة تشريعية وكان لا بد من إجراء الإنتخابات العامة باسرع وقت ممكن.هذا عن الفترة السابقة لمايو أما في عهد النظام المايوي فقد تحللت السلطة من شرط الإستعجال بصورة شبة كاملة وكانت الأوامر المؤقتة تصدر دون وجود حاجة ملحة لإصدارها ،وفي مواضيع كان يمكن أن تنظم بالطريق العادي ، فكانت الأوامر المؤقتة تصدر مثلاً لتعديل قانون الأوسمه والأنواط أو لتعديل قانون اكاديمية السودان للعلوم الادارية أو لإدخال معهد القرش ضمن تعريف الهيئات العامة.”

الأستاذ محمد احمد سالم في رسالته المعنونة “الأوامر المؤقتة كأداة تشريعية في السودان والرقابة البرلمانية عليها”ص 73 و 74

بالنسبة لوضوح الأحكام الدستورية في هذا الصدد فليس هنالك وجود لأي ظروف ذات طبيعة مستعجلة تستدعي إصدار المرسوم المؤقت ولا ما يمنع مراجعة دستورية ذلك قضائيا. وقد كنت تقدمت بطعن دستوري في هذه المسألة بخصوص إجازة قانون التحكيم بمرسوم مؤقت نيابة عن العالمين الجليلين عبدالله إدريس وعمر عبدالعاطي لم تتم فيه المحكمة الدستورية بعد، ولكن لما كان الحكم الوارد في المادة 109 مشابه للمادة 147 في الدستوري المصري القديم، فإنني أستعين هنا برأي المحكمة الدستورية المصرية تطبيقاً لأحكام المادة 147 من دستور 1971 حين ذكرت “إن تقدير الضرورة الداعية لإصدار القرارات بقوانين عملاً بالمادة 147 من الدستور متروك لرئيس الجمهورية تحت رقابة مجلس النواب بإعتبار ذلك من عناصر السياسة التشريعية التى لا تمتد إليها الرقابة الدستورية.إلا أن ذلك لا يعنى إطلاق هذه السلطة فى اصدار قرارات بقوانين دون التقيد بالحدود والضوابط التى نص عليها الدستور، ومن بينها اشتراط أن يطرأ – فى غيبة مجلس الشعب – ظرف من شأنه توفر الحالة الداعية لاستعمال رخصةالتشريع الاستثنائية وهو ما لم يكن له قائمة بالنسبة للقرار بقانون المطعون عليه الأمر الذي يحتم اخضاعه لما تتولاه هذه المحكمة من رقابة دستورية. (قضية رقم 28 لسنة 2 ق ).

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.