آخر الأخبار
The news is by your side.

 مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

 مبتدأ وخبر … بقلم: د. هاشم غرايبه

 

المبتدأ: جرت أحداث هذه القصة في قريتنا في حقبة الستينيات، حيث كانت ثلة من الشباب التأم جمعها في بيت أهل أحدهم الذي كان مؤهلا لذلك، فأبوه ميت، وأمه لا تجرؤ على إغضابه، وهوعاطل عن العمل، فيسهرون عنده ليلا وينامون نهارا، وكان هؤلاء من مدمني الرسوب في شهادة التوجيهي، فأصبح مسماهم عند أهل القرية “شلة الهمل”، لكنهم في نظر أقرانهم محسودون على نجاتهم من تعب الدراسة والدوام، ويعتبرونهم رجالا، إذ يستمتعون بوقتهم على راحتهم، ويلعبون الورق، وفي آخر الليل يطهون دجاجة أو أرنبا سرقوه من أحد البيوت.

كانت الشلة تتوسع مع زيادة عدد الفاشلين في اجتياز الشهادة الثانوية، لكن قبول منتسب جديد ليس سهلا، إذ عليه أن يثبت (مرجلته)، ومعيارها أن يثبت تمرده على أهله وولاءه للشلة.

أحد هؤلاء الذي حقق المتطلب الأول للإنضمام الى الشلة كونه فاشلا في الدراسة، لكنه طلب منه ان يثبت أنه (زلمه)، فسألهم كيف؟، فال له كبيرهم: عندما ينام أهلك تترك البوابة مفتوحة، لكي ندخل ونسرق الديك.

عندما طهوا الديك فجرا، لم يستطع بلع لقمة واحدة معهم، إذ كان يتخيل فزع أمه عندما تفقد الديك في الصباح.

في الأيام التالية التي شارك الشلة سهراتهم، ندم إذ لم يجد في ناديهم تلك المتع التي كان يتخيلها، وظهر ذلك عليه، لدرجة أن أحدهم قال لكبيرهم: أخشى أن يشي لأهله بأننا من سرق الديك، فرد عليه: لا تخف، لن يفعل، فلماذا إذاً أردت منه فتح البوابة مع أن بإمكاننا تسلق السور؟ فمن ينغمس في الخيانة فذلك يعني أنه قطع الطريق العودة الى الصلاح.

الخبر: كل أنظار الأمة القلقة تتعلق بتونس، كونها آخر الأقطار العربية التي صمدت مؤقتا أمام الثورة المضادة التي أعادت أنظمة (سايكس – بيكو) من جديد بعد سقوطها إثر الثورات العربية المجيدة عام 2011 ، لكن كل ما يحدث يؤكد أنها تواجه المصير ذاته الذي لقيته أخواتها ثورات مصر وسوريا واليمن وليبيا.

يبدو أنه كان من الصعب على الغرب تكرار سيناريو انقلاب مصر في تونس، فلجأ الى اللعبة القديمة التي وظفت بها كل الأنظمة العربية لصالحه، وبكلفة زهيدة هي لعبة العصا والجزرة.

استجاب نظام سعيّد لمتطلبات الحصول على الجزرة، وهي سكوت الغرب عن استبداده وإجراءاته المنافية للأعراف الديمقراطية، فهو بحكم تربيته الليبرالية وتجارب الأقطار العربية الطويلة، يعرف أن معيار الرضا الغربي عن الحاكم العربي يتحدد في أمرين يحققان دوام الهيمنة الغربية: أولهما قمع أي تحولات إسلامية، لقطع الطريق الى الوحدة التي هي السبيل الوحيد للتحرر، والثاني منع قيام نظام تعددي يضمن استقلال السلطات، لأن ذلك يحقق التقدم والازدهار.

لذلك فهو يقوم بإجراءاته الاستبدادية، غير عابئ برضا الشعب أو سخطه، لأنه يعلم أن رضا الغرب عن أي نظام عربي هو سبب طول بقائه، وليس شعبيته، فقد عملت المخابرات الفرنسية بكل همة ونشاط لإدامة الأنظمة الثلاث في تونس والجزائر والمغرب، وفي الوقت نفسه إدامة الخلافات فيما بينها، لضمان اندلاقها الى الحضن الأوروبي طلبا للدعم، وثمنه دائما تقديم التنازلات الاقتصادية (التبعية).

وماذا يريد الغرب الإمبريالي أكثر من ضمان هيمنته الاقتصادية!؟.

فلم يعد هذا العصر يتقبل الاحتلالات العسكرية، ناهيك عن كلفتها الباهظة، فلم يعد مهما للدولة المستعمرة أن يرفع علمها فوق مباني تلك الأقطار، بل ليرفع أهلها ما شاءوا من رقاع ملونة، وليهتفوا طويلا لزعيمهم المفدى، فلا أهمية لذلك طالما أن قرارات هذا الزعيم تلبي متطلباتهم وتحقق مصالحهم.

لذلك من السخف القول بأن الثورات العربية خطط لها الغرب… فما الذي يدفعهم لذلك؟.

إذ ما كانت أنظمة سايكس بيكو متمردة على إملاءاتهم حتى يتخلصوا منها!.

وما كانت مختارة من قبل شعبها بانتخابات نزيهة فاز بها الأقدر والأكمل… حتى يستبدلوا بها حكاما عملاء لهم!.

نستنتج مما سبق كم هي عظيمة خطيئة من فرحوا باستعادة الأنظمة التي أسقطتها ثورة شعبها الحكم من جديد، لأنه من الغباء الرهان على عودة تلك الأنظمة الى الصلاح، فمن استعان بأعداء الأمة لينصروه على شعبه، هو كمن فتح بوابة بيت أهله بيده للسارقين، يكون قد سلك مسلكا باتجاه واحد .. لاعودة فيه.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.