آخر الأخبار
The news is by your side.

لغتنا الجميلة … بقلم: د. هاشم غرايبه

 لغتنا الجميلة … بقلم: د. هاشم غرايبه

في أغلب المؤتمرات التي تعقد في كل الأقطار العربية، تجد المتحدثين العرب يتحدثون الإنجليزية أو الفرنسية، بحجة أن هنالك من الأجانب من لا يفهم العربية، أيهما أولى أن يترجم لهم الحديث، أم أن نترجم عقولنا وألسنتنا الى لغتهم ليفهموها؟.

مهما أتقن المرء من لغات فإن لغة عقله التي يفسر بها الأشياء ويحلل المعلومات ويخزنها هي لغة واحدة، وهي اللغة الأم، وحينما يتحدث بلغة أخرى يقوم عقله بترجمة فورية منها الى اللغة الأخرى.

لذلك يستحيل ان يُعبّر المرء عن فكرته بأية لغة كما يعبر عنها بلغته الأم، ولهذا فهو غير صادق في ادعائه بأنه يفعل ذلك حتى يعبر بدقة عما يريد قوله، والحقيقة أن السبب هو إحساسه بالدونية تجاه الأجنبي، لذا فهو يحاول أن يظهر له أنه منغمس في ثقافة الغرب المتقدم، ومنسلخ عن قومه المتأخرين، استجداء لتقديره.

يجب أن يفهم هؤلاء المنبطحون، أنه ولو كان الأوروبيون متقدمين علينا علميا وتقنيا بدرجة تحيجنا اليهم، لكن لغاتهم ليست كذلك، فالعربية متقدمة أشواطا كبيرة، ولا تدانيها أية لغة أخرى، شرقية ولا غربية، فصاحة وبيانا، فهو تفوقها جميعا بتحقيق كامل متطلبات اللغة المثالية، التي هي بيان المقصود بدقة وتجنب اللبس والغموض، وسأورد تاليا بعض الأدلة:

1 – باستعمال الحركات يمكن إظهار معنى اللفظة، فالفتحة على آخر لفظة (أنتَ) تعني أن المخاطَب مذكر، والكسرة تعني أنه مؤنث، فيُعرَفُ من هو المقصود فورا، كما يُعلمُ عدد المخاطَبين من التصريفات: أنتما وأنتم وانتن.

بينما في الإنجليزية يخاطَب المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع بـ (you)، فلا تستطيع فهم أن المقصود بالخطاب ذكر أم أنثى، ولا أن تعرف أهو شخص أم اثنان أم أكثر إلا بعد هنيهة من اكتمال الجملة.

2 – البناء الإعرابي يبين المعنى فورا، فلو تأملنا الحالات الثلاثة التالية: أتى الرجلُ، سألت الرجلَ، طلبت من الرجلِ، لوجدنا الحركة على آخر لفظة (الرجل) قد بينت المعنى من حيث الفعل ووقوعه بلا لبس، بينما في الإنجليزية فإن لفظة الرجل لا تتغير بحسب تغير المعنى، فلا تدل في مبناها على شيء إلا من خلال السياق.

3 – في اللغة العربية هنالك نوعان من الجملة: الفعلية وهي التي تبدأ بالفعل، والإسمية والتي تبتدئ بالإسم، كما تكون على وجهين: إخبارية وهي التي تخبر بوقوع حدث بغض النظر عن صحة حدوثه من عدمه، والثانية هي الإنشائية وهي التي لا تحتمل الصدق والكذب ولها أحوال عديدة لا يتسع المجال لذكرها.

في اللغة العربية إن كان الفعل مناط الحدث هو الأهم فتكون الجملة فعلية، أما إن كان الفاعل هو الأهم في الإخبار فتكون الجملة إسمية، ويظهر الفارق كبيرا في المعنى بين: (يلعب الأولاد) و (الأولاد يلعبون)، فالأولى اهتمت بحدوث اللعب، أما الثانية فاهتمت بالأولاد وحالهم، بينما في الإنجليزية فالفاعل دائما سابق للفعل.

4 – هنالك رأي سائد وهو أن العربية صعبة والإنجليزية سهلة، هذا صحيح لأن العربية معربة، بينما الإنجليزية مبنية، لكن ذلك ميزة للعربية فالإعراب يبين المعنى، ودقة البيان هو وظيفة اللغة أصلا، والصعوبة تتأتى من الجزالة والقوة.

وأورد مثلا على ذلك: لو قلت (كيف محمودٌ وعليٌّ)؟، سيفهم السامع أنك تسأل عن حال الشخصين، ويختلف المعنى عندما تكون (كيف محمودٌ وعلياً) لأن السائل هنا يستفهم عن علاقة محمود بعليّ، فالواو في الجملة الأولى واو العطف، لكنها في الثانية واو المصاحبة، وما يبين المعنى للسامع بدقة وبلا لبس، أن واو العطف تجعل حركة ما بعدها تماثل ما قبلها، بينما واو المصاحبة يكون ما بعدها منصوبا دائما.

نعم.. اللغة العربية عميقة الغور هائلة الإتساع، لكن ذلك منقبة من مناقبها العظيمة، فليس كل سهل أفضل، فالآلة الفائقة الجودة كلما كانت وظائفها عديدة وأداؤها أمثل، كانت معقدة التركيب، لكن بالتعلم يمكن فهم أسرارها.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.