آخر الأخبار
The news is by your side.

لا زالت تبحث عن دور مفقود تحت قبة البرلمان واقع السلطة الرابعة .. اتهامات ونيران صديقة

سودان بوست: الخرطوم

عبد الرحمن العاجب

حالة من القطيعة والتنافر البائن شهدتها الأيام الماضية في أعقاب تبني البرلمان مواقف وصفت بأنها عدائية تجاه أجهزة الإعلام وتحديداً (الصحف) استناداً إلى القرار الذي اتخذه رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر، ومستشاره عبدالماجد هارون، والذي منع بموجبه الصحفيين من الدخول إلى مباني المجلس الوطني لتغطية الأنشطة، في سابقة تعد الأولى من نوعها.

وفي تطور نوعي للقطيعة بين البرلمان والصحفيين اعتقلت السلطات صباح أمس (الاثنين) (9) صحفيين من ضمن الصحفيين الذين نفذوا وقفة احتجاجية أمام مباني البرلمان بأم درمان احتجاجاً على منع الصحفي بصحيفة (الأخبار) مرتضى أحمد من دخول مبنى المجلس الوطني لأداء عمله.

وبعد الاعتقال الذي استمر لأكثر من ثلاث ساعات، أطلقت السلطات سراح (9) صحفيين (7) منهم من صحيفة (الأخبار) بعد اعتقالهم من أمام مبنى المجلس الوطني (البرلمان) وتم إطلاق سراح الصحفيين بعد تدخل معتمد محلية أم درمان مجدي عبد العزيز ومطالبته بإطلاق سراح الصحفيين، وعقد عبد العزيز اجتماعاً مع الصحفيين بمباني جهاز الأمن والمخابرات الوطني بأم درمان قبل إطلاق سراحهم، وتعهد بالجلوس مع قيادة المجلس الوطني لمعالجة الأمر في أسرع وقت ممكن.

وشارك عدد من أعضاء البرلمان بينهم (أبوالقاسم برطم ومبارك النور وفتح الرحمن فضيل وأخرون) في الوقفة الاحتجاجية التي نفذها صحفيو صحيفة (الأخبار) وفي سياق متصل بالمسألة استنكر النائب البرلماني المستقل (مبارك النور) اعتقال الصحفيين من أمام مبنى البرلمان باعتباره استفزازاً للمجلس التشريعي الذي من واجباته حماية حرية التعبير وليس الرضوخ للأجهزة التنفيذية.

وكان البرلمان منع الصحفيين من دخول البرلمان لتضامنهم مع زميلتهم (هبة عبيد) بصحيفة الانتباهة التي حرمت من الدخول، وأجبر البرلمان الصحف على تغيير مناديبها بالبرلمان، فرضخ عدد كبير منها، إلا صحيفة (الأخبار) التي أصرت على عدم تغيير مندوبها الصحفي مرتضى أحمد المتخصص في تغطية البرلمان.

وبحسب النصوص اللائحية والدستورية فأننا نجد إن المادة (98) من دستور جمهورية السودان نصت على علنية جلسات الهيئة التشريعية القومية : حيث تقرأ المادة (تكون جلسات الهيئة التشريعية القومية وأي من مجلسيها علنية وتنشر مداولاتها ويجوز بثها إعلامياً، ومع ذلك يجوز للهيئة التشريعية القومية أو أي من مجلسيها أن تقرر سرية بعض المداولات وفقاً للوائح الداخلية) وهذه المادة والنص الدستوري تعطي الصحفيين الحق في دخول البرلمان وتغطية جلساته.

وفيما يبدو أن الجدل بين صاحبة الجلالة والسلطة، أول ما نشأ تمثل في مطالبة أصحاب الأقلام بنيل مزيد من الحرية، وحينها نشأ الصراع بين الصحافة وشكل من أشكال السلطة وكان ذلك في القرون الوسطى وحدث أول اشتباك وقتها مع الكنيسة ثم تحوَّل إلى الحكومات، ومنذ ذلك الحين استمرت العلاقة بين السلطتين في حالة تجاذب، وبعدها بدأ أصحاب الأقلام يطالبون الحكومات بمنحهم مزيد من الحرية الصحفية بمعناها الواسع والمضبوط.

وفي الحالة السودانية الوضع يختلف كثيراً عن بقية بلدان العالم الأخرى لجهة أن مدى الحرية وضوابطها يختلف من بلد لآخر، فضلاً عن التداخل والتشابك بين السلطات السودانية الثلاث (التنفيذية والقضائية والتشريعية) وحالة التنافر الواقعة بين السلطة الرابعة (الصحافة) وبقية السلطات الأخرى في الدولة، لكن بحسب الدور الرقابي والتشريعي المنوط بها في الرقابة والتشريع، كان ينبغي على (المؤسسة التشريعية) أي البرلمان أن لا يصدر قوانين تتعارض مع حرية التعبير أو حرية الصحافة.

وبالنظر للمصطلح الذي يصف الصحافة بالسلطة الرابعة نجده يعني في واقع الأمر أن سلطة الصحافة تتنافس مع بقية السلطات في المجتمع، فضلاً عن تنامي دورها ليواكب الدور الذي تلعبه السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وربما تتبدل السلطات من مجتمع لمجتمع ومن وقت لآخر وفي كل هذه الحالات يبرز سؤال حرية الصحافة الذي يجسد طبيعة وشكل العلاقة بين الصحافة من جهة والمؤسسات الاجتماعية بما فيها الحكومات من جهة أخرى.

الاشتباك بين السلطة الرابعة والسلطتين (التشريعية والتنفيذية) ظل مستمراً لفترة طويلة ويتجدد بأشكال مختلفة من وقت لآخر في الحالة السودانية، وبرز بشكل عنيف عدة مرات من أعلى قمة هرم الدولة ومسؤوليها في أرفع المواقع، وهناك تصريحات عديدة لمسؤولين بالدولة تؤكد ذلك.

وثمة اتهامات عديدة ظلت تلاحق السلطة الرابعة في السودان والتي دمغت هي الأخرى بأنها تكيل الاتهامات لغيرها دون مراعاة أدنى قيمة مهنية بحكم وظيفتها في التبصير بمواطن الخلل والتقصير والفشل الذي يلازم العمل العام، ومن ثم القيام بدورها الأساسي في التجسير ما بين المواطن والمسؤول، ومن ناحية أخرى نقل معاناة المكتوين بالظلم وعدم العدالة وتحقيق الالتفاتات الممكنة صوب المسائل العالقة أو القضايا العادلة إلى أن تتحقق الحلول الناجعة لمجمل القضايا السودانية.

وسيطرت تحولات عديدة على أوضاع الحريات الصحفية في السودان خلال الفترة الماضية وربما بفعل بعض السياسات التراكمية أصبح المجتمع السوداني مجتمعاً هشاً ولديه مشاكل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية، الأمر الذي يعتبره البعض يحتاج لمعالجة مسؤولة من الصحافة وفي هذا المنحى يرى بعض المراقبين أن المسؤولية في هذا الشأن هي مسؤولية الصحفي وليس السياسي لجهة أن الصحافة السودانية أو ما تعرف بـ(السلطة الرابعة) لها دور كبير في معالجة القضايا الاجتماعية، وذلك لاعتبار أن لها أثراً كبيراً في المجتمع بجانب أنها تعتبر أخطر وسيلة مؤثرة على الرأي العام.

ويبدو جلياً من خلال الواقع أن علاقة الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى بالدولة علاقة ملتبسة وظلت دائماً تؤدي إلى ضعف حرية التعبير التي تعتبر مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوضع الديمقراطي، الأمر الذي جعل بعض المتابعين يشددون على ضرورة فك الارتباط بينهما، مشددين على أن تترك الدولة حرية التعبير المنضبطة بالدستور وأخلاقيات المهنة، فيما يحتم الواقع الماثل على الصحافيين السودانيين أن يؤسسوا للانضباط والمهنية باعتبار أنهم يتحملون المسؤولية نيابة عن المجتمع.

ويؤكد الواقع الماثل وجود تقاطعات بين السلطات الثلاث في الدولة مع السلطة الرابعة ولمعالجة هذه التقاطعات برزت مبادرات ومحاولات جادة لوضع الصحافة أمام العربة لتقوم بدورها لكنها فشلت، ولكن مع تطور تقنية الميديا المحلية والعالمية برزت إلى الوجود أشكال جديدة من الإعلام عرفت بالإعلام الجديد الذي لا يعرف حدوداً جغرافية، وشكلت تلك الأدوات الإعلامية الجديدة بدورها انعطافة جديدة في تاريخ صناعة الخطاب الإعلامي في العالم الذي أصبح مثل القرية الصغيرة.

وفي الواقع أدى الانتشار الواسع لتلك الوسائل الإعلامية والقنوات المفتوحة إلى تحرير الألسنة من عقدة الخوف، كما أنها حررت العقول من سطوة خطاب السلطة الأمر الذي يحتم على القائمين على إدارة الشأن الإعلامي السوداني مراجعة حالة التشابك والتنافر المزمنة بين السلطات.

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.