آخر الأخبار
The news is by your side.

سيميولوجيا البقاء في ديوان والجنوب إذا تنفّس بقلم: الاستاذ هاني كنهر العتابي

style="display:block; text-align:center;" data-ad-layout="in-article" data-ad-format="fluid" data-ad-client="ca-pub-3526945674254987" data-ad-slot="7764235645">

أقول فيها إنّ النصّ الأدبي يمكن أنْ يُقرأ على وفق محورين؛ رأسي (عمودي), وآخر أفقي (سطحي), وعلى المحور الأوّل تضطلع كلّ مكونات النصّ لتؤدي وظيفة واحدة, لأنّ القصيدة الحديثة لا يمكن دراستها سطراً سطراً أو بيتا بيتاً, وإنما يجب التعامل معها على مستواها الكلي لا الجزئي, وعلى وفق ما تقدّم يرى أرباب النقد الحديث أنّ عنوان العمل الإبداعي بدأ يكتسب عناية متزايدة؛ لأنّ علاقته بالمتن اتسمت بالتعقيد الشديد بسبب قدرته على توجيه القارئ نحو مضمون النصّ, وهم في ذلك ينفون وجودَ وصفةٍ سحريّة معتمدةٍ في اختيارِ عنوان العمل الأدبيّ, ومن الجدير بالذكر أنّ عنوان النصّ يشكّل العتبة الرئيسة التي تقود القارئ الى فكِّ رموزه, فهو كما يسميّه د.صلاح فضل(سيمولوجيا النصّ).
وقد سننتُ لنفسي قاعدة أسير عليها في فهم دلالة العنوان في العمل الأدبي, ولا سيّما قصيدة (بقاء) للشاعر حسن سالم الدباغ, إذ أقوم بحذف العنوان, وأقرأ القصيدة بلا عنوان, وأحاول أن أصنع عنواناً لها, وبعد قراءة القصيدة وضعت لها عنوانات افتراضية, وهي (ولادة- انبثاق- حياة- استئناف- استمرار) والشاعر بين كلّ تلك الافتراضات- حسب قانون الاختيار والتوزيع- وضعَ في عتبة ديوانه كلمة (بقاء) عنواناً للقصيدة الأولى فيه. ومن المفيد جداً أن نجري مقارنة سريعة بين عنوان القصيدة, والافتراضات التي يطرحها القارئ, فكلمة (ولادة) تدلّ على بداية جديدة من فراغ, وهذا يتنافى مع ما أراد الشاعر ايصاله الى المتلقي, وكذلك كلمة انبثاق. أمّا كلمة (حياة) فهي قاصرة عن التعبير على مراد الشاعر؛ لأن البقاء أعمّ من الحياة والموت معاً. وأمّا الاستئناف ففيها معنى التوقف المؤقت وهو منافٍ لمضمون النصّ, وكلمة (استمرار) تدلّ على سير الفكرة على وتيرة واحدة . والشاعر إذ يضع كلمة بقاء عنوانا لقصيدته يشير الى أن ما يرسمه فيها من خسائر كلّها ستبقى خالدة وستورق أملاً. وذلك أنّ السقوط فيها لا يعني موتاً بل ضعفاً فحياة. والسين هنا تحكي سرعة تحقق المأمول عند الشاعر وهذه السرعة لها أبعاد أخرى ستظهر عند القارئ بعد حين.
ويبدو لقارئ هذه القصيدة أنّ الشاعر يرسم لوحة مقسومة إلى نصفين متفاوتين, أوّلها مظلم والآخر سيشرق أملاً (سقوط- سيورق) و(قنبلة –سنبلة), وهذا الطابع يطغى على ديوانه (والجنوب إذا تنفّس) كلّه, إذ إن عنوان الديوان يضع الجنوب بديلاً عن الصبح في نصٍّ مقتبسٍ تشير دلالته العميقة الى صفحتين أيضاً (ليل- جنوب) وكذلك في باقي قصائد الديوان كـ(المساء- ضياء) و(فراغ- الانتظار) و(قلق-اطمئنان) , وهذه المقابلات تعطي بعداً دلالياً أعمّ من النظرة القديمة كثنائية ضدية, فهو يرسم صورتين رأسيّتين لمسألتين متضادتين كسبب ونتيجة, وهذا ما يحكي لنا قصة الديوان كلّه.
ومن جانب آخر نجد الشاعر يؤسس لقاعدة جديدة في قصيدته؛ إذ من المعلوم أن الكل يعني قاعدة بلا شواذ, وهذا يتضّح من تكرار كلمة (كلّ) في قصيدته, فهو يؤسس قاعدة يقول فيها إنّ هذه الخسائر والآمال كلّها ستخلد بما فيها من قنابل وسنابل. وسرعان ما يتجلّى لقارئ الـ(بقاء) أنّ الشاعر يتلاعب بأدوات النحو العربي ودلالاتها لخدمة العنوان الذي يريد, فمن المعلوم نحوياً أنّ (لم) تنفي الماضي الذي لا يتوقع حصوله بخلاف (لمّا) التي تنفي المتوقع, غيرَ أنّ الشاعر جعل من غير المتوقع متوقعاً كاسراً أفق توقع القارئ بكلة (بعد) التي تشعر بأن السقوط سيكون بعد أن كان غير متوقع, فتصير على ذلك (لم + بعد = لمّا) فهو يجعل من المادة النحوية مادة فنيّة مرنة تناسب العقول والأذواق, وهو يتلاعب بمزاج قارئه حسب مزاجه.
ثمّ أن الشاعر يرشّح كلمتين لرسم معالم لوحته الفنية بقاء, (قنبلة – سنبلة) ليرسم جناساً متوافقاً حتى في الصوت حيث اقلاب النون ميماً, فضلاً عن (السقوط- سيورق), الأولى تمثل الخسائر, وتمثل الثانية الآمال بيد أنّه يكرر كلمة قنبلة مرتين في حين يستعمل سنبلة مرة واحدة حتى يتبادر للقارئ أن أسى الخسائر هو الطاغي على لوحته ولا أمل, لكنّ قراءة حفرية فاحصة تكشف أن السنبلة ستورق إشارة منه إلى سنبلة محمود درويش التي ستملأ الوادي سنابل اشعارا بالأمل المتعلق بسرعة السين في يورق, زد على ذلك أنّ سقوط الورق يكون في موسم, والإيراق في موسم آخر تالٍ له, والشاعر يقول (بعد كلّ سقوطٍ إيراق).
والشاعر في كلّ ذلك يجعل المتلقي في موقف درامي رهيب حيث التلاعب بزمن التلقي في ايراد عبارات متوالية بلا أخبار تتقدّمها (كلّ), فبينا ينتظر القارئ خبراً للعبارة الأولى وإذا بالشاعر يردف بعبارة أخرى بلا خبر ثم ثالثة فعطف ثمّ يختتم مقطوعته بأمل (سيورق) دفعة واحدة, فيكون القارئ بحاجة ملحّة إلى إعادة قراءة النصّ حتى يستوي المعنى في ذهنه وينضج, وهذا وإن جاز في النحو العربي فهو نادر في الاستعمال, والشعراء في كلّ جائزٍ يغوصون ويُغرقون القارئ ولا يَغرقون …
ومن زاوية أخرى أنّ القصيدة نثرية لا تعتمد الوزن بقدر ما تعتمد نبوءة الشاعر التي من شأنها أن تموسق النصّ فكرياً, لكنّ الشاعر حاك السطرين الأخيرين على وفق وزن شعري محسوس وهو المتقارب, وقد أحسن توظيف الوزن دلالياً, إذ أن القارئ المدقق يجد النغم مكسوراً في جوّ القصيدة وغير موّحدٍ, في حين يفترض في النظم- في ما يخصّ الشعر الموزون- أن يكون موحّداً بغضِّ النظر عن طول السطر وقصره, وكأنه يقول أنّ الخسائر لا توزن ولا تحسب لأنها جارية على مبدأ (اللا نظام) وهي لا يحكمها الوزن والاتزان لاضطرابها, أمّا الأمل فهو موزون عند الشاعر, وآتٍ لا مناصَ, ولعلّه يفيد من دلالة اسم الوزن بأنّ الأمل قد تقارب على الأبواب مع حذف حرف الواو الذي يستقيم معه الوزن الشعري- لأنّ الواو يمكن أن يؤخر في سير الحركة الشعرية في النصّ- ولا يقتصر على أملٍ مرتقب, بل أمل وزيادة؛ بدلالة زيادة كلمةٍ على وزن المتقارب في السطر الأخير بعد استيفاء التفعيلات الأربع (فعولن).
وبعد فالنّص يخلو من علامات الترقيم التي تكون بمثابة الهادي الذي يهدي القارئ الى الطريق ويجنّبه متاهات التأويل؛ لأنّ الشاعر يجزم بأن الطريق واحد وهو طريق الايراق والاشراق والأمل. ويجدر بي أن أقول إنّ مقصد الشاعر في قصيدته لا يعرفه إلّا الشاعر نفسه, أمّا النصَّ الأدبي فيمكن أن يخرج عن إرادة صاحبه ويقول أشياء لم تكن في ذهنه, لكنّ هذا الخروج محكوم بالنصّ نفسه لا بهوى القارئ, وختاما أقول إذا صحّ قول القدماء (أعذب الشعر أكذبه) كناية عن الخيال والتخيّل فإن هذه القصيدة كذبة فنية جميلة.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.