آخر الأخبار
The news is by your side.

حديث المدينة … بقلم: عثمان ميرغني

(فين البدرة)؟

في فيلم “النمر والأنثي” تقاسمت بطولته آثار الحكيم مع عادل إمام الذي يلعب دور ضابط مكافحة مخدرات.. لكن زعيم عصابة المخدرات نائب برلماني عضو في مجلس الشعب ويتمتع بالحصانة فتوفر له مخرجاً كلما حاولت الشرطة الاقتراب منه.. في آخر المطاف يلقي الضابط القبض على زعيم العصابة في مزرعته.. وفي مشهد يحتشد بالذكاء السينمائي.. داخل المزرعة يقف الضابط عادل أمام النائب المقبوض عليه ليقدمه إلى رئيسه الضابط الأعلى رتبة.. وبين الخوف من مواجهة حصانة البرلمان والبحث عن المخدرات يسأله الضابط الأعلى بكل حزم (فين البدرة؟) يرد عادل إمام (أفندم قبضنا عليه متلبس باختطاف بنت) فيعيد رئيسه السؤال بحزم أكبر (فين البدرة يا حضرة الضابط؟) ويستمر الضابط عادل إمام في تقديم دعاويه (أفندم المزرعة فيها بضاعة مهربة) وتصطك أسنان رئيسه وهو يكرر السؤال للمرة الثالثة بما يقرب من الوعيد (بقولك فين البدرة ؟)..

وتأتي لحظة الإثارة الكاملة حينما يسحب الضباط عادل إمام المسدس ويصوبه نحو النائب البرلماني زعيم عصابة المخدرات.. فتشخص عيون رئيسه في خوف ودهشة كبيرة وبكل هدوء ترتفع فوهة المسدس إلى أعلى متخطية رأس زعيم العصابة إلى أعلى نخلة مجاورة لهم.. فيطلق الرصاص عليها.. فتتناثر المخدرات “البدرة” التي كانت مخبأة في أعلى النخلة..

أتشرف بزيارات شخصيات رفيعة في مكتبي.. وعادة يغوص الحديث في الوضع الراهن والأزمة الخطيرة التي تتعرض لها البلاد الآن.. واستمع لمرافعات موضوعية عن تفاصيل المشكلة والأزمة السودانية، فأبادر دائماً ضيفي وأسأله (حسنا؛ أين الحل؟) ثم أجد نفسي تماماً في مثل موقف عادل إمام.. فأكرر السؤال (فين البدرة؟).. فأجد إجابات من مثل (الحرية، الديموقراطية، المساواة، والنزاهة) فأقول لهم هذه قيم وليست حلولاً.. وأعيد السؤال (فين البدرة؟).. فأجد إجابات من مثل (نستعين بتجربة سنغافورة أو ماليزيا او حتى رواندا).. فأكرر السؤال (فين البدرة) فهذه مجرد مراجع للاستذكار والتقوي بها لكنها ليست الحل.. ويستمر الحال.. أسأل بكل إلحاح (فين البدرة؟) ثم أجدني مع برهان قاطع أن الشعب السوداني كله، من قمة ساسته ومثقفيه وصفوته الزاهية، إلى أدنى غمار الزاحفين في طرقات التيه.. لا أحد يفكر جدياً في تقديم إجابة واضحة ملموسة (يمكن الامساك بها) ترسم خارطة الطريق للخروج من النفق.. لا أحد قادر على الإمساك متلبساً بـ(البدرة)!!

بالله تخيلوا معي أن نعقد امتحاناً تحريرياً لساستنا الأماجد.. زمن الامتحان نصف ساعة فقط.. للإجابة على ورقة امتحان فيها سؤال واحد هو:

(في ما لا يزيد عن خمسة عشر سطراً وضِّح ما هو الحل الذي تراه للأزمة السودانية(؟

أنا على يقين أن النتيجة ستكون مذهلة.. 50% جمعوا أوراق الإجابة بيضاء من غير سوء.. و25% قدموا إجابات تشبه تغريدات السيد رئيس الوزراء.. و25% شطبت أوراق إجابتهم لأنهم حاولوا الغش بالنظر إلى أوراق جيرانهم في قاعة الامتحان..

الآن أسألكم أنتم .. (فين البدرة)؟

Loading

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.