آخر الأخبار
The news is by your side.

تفريق الدين .. بقلم : د. هاشم غرايبه

تفريق الدين .. بقلم : د. هاشم غرايبه

طوال التاريخ، ومنذ أن بدأ تنزيل الدين على البشر برسالات متعددة، لم تتوقف محاولات المتضررة امتيازاتهم من تطبيقه، الحد من انتشاره أو على الأقل تحريفه عن مبتغاه، وحققوا ما أرادوه في غالب الأحيان، لأنهم يمتلكون النفوذ السياسي والمالي، ومن يدافعون عنه هم المستضعفون.

لا يعني ذلك أن الشر أقوى من الخير، فالله خلق البشر وقدراتهم، وهو تعالى قادر على حماية دينه ونصرة رسله مهما كانت قوة المعادين، لكنه أراد للبشرية الاستفادة من التجارب، وتعزيز كفاءة المؤمنين، بالنضال والمجالدة للظالمين، لذلك لم يتدخل بالنصرة المباشرة إلا في بضعة مواقف كانت حاسمة، مثل إنجاء ابراهيم عليه السلام من نار النمرود، وبني اسرائيل من بطش فرعون، وعيسى عليه السلام من الصلب، ومحمد عليه الصلاة والسلام من مشركي قريش ليلة الهجرة، ثم التمكين لدينه في بدر والخندق.

لكنه تعالى لكلمة سبقت منه، أرخى العنان للمعادين لمنهجه، ليختار الإنسان بمحض حريته: هل يتبع الهدى الذي أنزله أم يستجيب لدعوات المتنكبين له، لذلك لم يقصم من حرفوا كتبه وبدلوا شريعته، ولم يتدخل لحماية كتبه من تزويرهم، لأنه كان سينزل القرآن مبينا لكل ذلك ومفندا للتزوير، لذلك جعله مهيمنا على كل ما قبله، ولما نزل تكفل بذاته العلية بحفظه، ولم يوكل ذلك للبشر كالكتب السابقة، لكي يظل مرجعا محفوظا لكل الأزمنة القادمة.

من هنا أغلق الباب أمام التحريف، فلم يبق للمغرضين سبيلا لذلك، فلجأوا الى شق الدين.

لاحت الفرصة لهم عندما نشأت فتنة التمرد على عثمان، ولما كان الفرس دخلوا الاسلام جميعهم عن قناعة بعد سقوط امبراطورية كسرى ولم يبق أحد على المجوسية، ولما أن الإسلام أفقد القلة منهم وهم أصحاب النفوذ والسلطة امتيازاتهم، فحقدوا عليه، ولم تنفع عنعنات القومية الفارسية المنقضية في رد الناس عن دينهم، فلم يجدوا وسيلة غير شرخ الدين ومحاولة إيجاد مذهب مناوئ له.

استغل هؤلاء الخلاف السياسي الذي نشأ من انشقاق معاوية وخروجه على الخليفة الشرعي (علي بن أبي طالب رضي الله عنه) بذريعة قميص عثمان، ورغم أنه كان من الممكن أن تنتهي الفتنة في زمنها لأن سببها سياسي، لكن الذين يريدون شق الدين عمقوه وحولوه الى خلاف فقهي بابتداع التشيع لعلي وأبنائه.

ولكون أبنائه من فاطمة هم أسباط رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانوا هم أهل بيته وأحبائه، فقد انتشرت دعوى التشيع بين المسلمين لاعتقادهم أنها مجرد تعبير عن محبة أهل البيت.

انتشر هذا المذهب فقط بين البسطاء البعيدين عن منبت الدعوة الذين حركتهم العاطفة، ولم يتنبهوا الى أن الصحابة والتابعين الذين هم أشد حبا لأهل البيت، إلا أنهم لم ينخدعوا بمبررات شق الدين لدوافع التنازع على السلطة، وبقوا على التزامهم بالسنة.

هنا كان الاختراق، بتحويل التشيع لأهل البيت من العاطفي الى السياسي، ثم الى الفقهي، فجاءوا بفكرة الولاية للفقيه من نسل علي، والتي ليست من الدين، فتعريف الفقيه هو كل عالم متمكن مهما كان أصله أو عرقه ونسبه، وليس مقتصرا على آل علي بن أبي طالب، بل إن الدين جاء أصلا ليلغي العصبيات القبلية والتمايز بالأنساب، ويجعل التفاضل بالتقوى والصلاح.

ومثلما حصل في الكنيسة من تكوين طبقة رجال الدين مستفيدة، تكونت أيضا طبقة الآيات والعمائم، التي تحصل على خُمس الأموال العامة، لذلك من مصلحتهم تعميق الشرخ وليس رتقه.

من هنا نفهم المواظبة على تنظيم بكائيات سنوية للتذكير بمأساة كربلاء، لمنع اندمال الجراح، وبث الأحقاد بتحميل وزر جريمة يزيد للمسلمين، ولإلهاء متبعيهم عن أمور تكشف التآمر، مثل:

– إن كانت الإمامة بالوراثة كما يدّعون، أليس الأوْلى أن تكون في نسل الحسن (الأكبر)، ولماذا جعلوا الأئمة الاثني عشر جميعهم في نسل أخيه الأصغر الحسين!؟.

– إن كان التشيع هو حقا الانتصار لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم جميع زوجاته وبناته، فلماذا انتقاء واحدة من بناته وأولادها، ورفض البقية؟.

على أن أكثر ما يكشف حقيقة نواياهم، هو حقدهم الشديد على من هدم ملك كسرى (عمر رضي الله عنه)، وتمجيدهم لقاتله المجوسي.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.