آخر الأخبار
The news is by your side.

 تأملات قرآنية: الآية السادسة من سورة الزمر

 تأملات قرآنية: الآية السادسة من سورة الزمر

بقلم: د. هاشم غرايبه

يقول تعالى في الآية السادسة من سورة الزمر: “يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ”.

لقد تناول القرآن الكريم كل مايهم البشر وما يجدر بهم معرفته، من احكام وتشريعات وقواعد سلوكية وأحوال الأمم السابقة، كما جاءت آيات منه في تعليم البشر شيئا من المعارف والعلوم، وتوضيح لبعض ظواهر الطبيعة (السنن الكونية).

ولما كان القرآن نصوصا ثابتة، نزلت في حقبة زمنية معينة، فقد جاءت النصوص المتعلقة بالأحكام والتشريعات والآداب محددة النص قطعية الدلالة، لا تفسر بغير معناها الظاهر، لكن تلك المتضمنة معلومات علمية، قد يكون بعضها معروفا للناس، وأخرى نقيضة لما يعرفونه، وغيرها قد لا يمكن استيعابها إلا في زمن قادم حينما تتطور معارف البشر ويتقدم في البحث والإكتشاف، لذا جاءت بصياغة لغوية ظاهرها مفهوم في عصر التنزيل، لكن محتواها غامض آنذاك، وسيصبح مفهوما بعد زمن.

تندرج الآيات التي تتناول ذلك الموضوع تحت ما اصطلح عليه: الإعجاز العلمي للقرآن، أي نص قرآني يحمل معلومات لم تكن معروفة للبشر، لكن اكتشفها الإنسان فيما بعد، وتبين له صحتها، وبذلك تصبح حجة دامغة على من ينكر أن القرآن من عند الله تعالى.

هذه الآية إحداها، وإعجازها يأتي من كونها تحتوي على ثلاث طبقات من المعلومة العلمية الصحيحة:

الطبقة الأولى: هي (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) وهي الطبقة السطحية الظاهرة، لأنها معروفة للعامة من البشر منذ عصور سحيقة، فهم يعلمون أن خلق الإنسان لا يتم إلا بطريقة واحدة، وهي تزاوج الذكر والأنثى الناضجين جنسيا، وتحمل الأنثى ذلك الجنين في بطنها شهورا تسعة إلى أن يكتمل تكوين كل أعضائه ثم يولد، وينمو ويكبر.

الطبقة الثانية: هي في قوله تعالى (خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ)، والتي تعني أن الجنين يمر بمراحل تطور في بطن أمه، فلا يخلق منذ اليوم الأول على الصورة ذاتها، بل يمر بمراحل متعددة، في كل مرحلة تتحول فيها الخلايا من الشكل الأولي الى الطور المتخصص: “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ” [المؤمنون:12]، فالنطفة كانت خلية مخصبة، نصفها من الذكر ونصفها من الأنثى، فلما تعلقت بجدار الرحم كانت علقة، ثم تكاثرت الخلايا بالإنقسام، فسميت مضغة لأنها عبارة عن تكتل بلا شكل محدد، بعدها تمايزت الخلايا فتحولت الى طبقات ثلاث: كل طبقة انتجت مجموعة من الأنسجة المختلفة تركيبا، والمتباينة وظيفيا، فالخارجية تكون منها الجلد والشعر والأظافر، والوسطى تكون منها العظم والعضلات، والداخلية تكون منها الأحشاء الداخلية كالقلب والرئتين..الخ.

هذه المعلومات توصل لها الإنسان بملاحظة أطوار أجنة الحيوانات، بعد قرون من نزول القرآن، لكنها ظلت مقتصرة على الأطباء والمتخصصين.

الطبقة الثالثة: وهي الأعمق والتي لم يتوصل اليها العلماء الباحثون بعد، وهي التي جاءت في قوله تعالى: “ِفي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ”، فقد فسرها المفسرون القدامى على أنها الطبقات الثلاث: جدار البطن وجدار الرحم والمشيمة.

وقال مفسرون معاصرون أنها تعني طبقات المشيمة الثلاث: الغشاء السلي والمشيمي والساقط، وعلى أية حال، لكن تقدم العلم في هذا العصر لما يصل الى التفسير المقنع بعد.

الأهم من ذلك، في أطفال الأنابيب، كل الذي يتباهى العلم بتحقيقه هو الجمع بين المني والبويضة مخبريا، والتي تتلقح، تعاد الى الرحم بعد 3-5 أيام، ولا ينجح الحمل إن تأخر يوما آخر، ليس لنقص التغذية، فذلك يمكن توفيره، لكن ظلمة الرحم وبيئته أساسية.

الإعجاز الأعظم مما سبق هو دور المشيمة، والذي لا يمكن أن يكون صدفة ومن غير مدبر حكيم.

فكيف يمكن أن يلتقي دم الأم ودم الجنين وقد يكونا من زمرتين مختلفتين، ولا يحدث ذلك التفاعل القاتل؟

كيف تنتقل للطفل المناعة من الأم ولا تنتقل له هرموناتها، ولا مسببات الأمراض منها؟

كيف يتم تبادل الأكسجين وثاني أوكسيد الكربون ونقل المكونات الغذائية (بروتينات وسكريات ودهون ومعادن وفيتامينات) بحسب احتياجات الجنين بلا زيادة ولا نقصان.

وكيف يتخلص الجنين من الفضلات؟

كيف.. وكيف ..وما الى ذلك من عشرات الأسئلة التي لا يمكن لمن يكذب بالدين الإجابة عليها بغير الإجابة الساذجة التي لا تقنع طفلا: هنالك غشاء عاقل ينظم كل ذلك!.

شارك على
أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.