آخر الأخبار
The news is by your side.

«الجزار»: «السويتو إنت غيرك ما بسوي» بقلم: قور مشوب

كان محمد فيصل «الجزار»، في بداياته، حالة نادرة جداً. كان، بالفعل، حالة لا تشبه أحداً: يُنتج، يُغني، يعزف، يقوم بالتوزيع، يلحن لنفسه، وللأخرين. كان صوتٌ جديد، إقتحم حياة السودانيين فجأة. ظهوره، كان كافياً، ليفتح الباب على مصراعيه، لتتوالى، بعده، ظهور العديد من الأصوات الجديدة، والسير فوراُ، على نهجه.
جاء مختلفاً، يتبع طريقة غناء جديدة، بآليات مختلفة، وبالكثير من الأشياء التي تميزه عن بقية أقرانه: صوت ذئب يخرج، مع بدايات ونهايات، الأغاني التي يُنتجها، أغاني مختلفة في اللحن والتوزيع.

***
الجزار، ولأن صوته بمثابة «نعمة من رب السماء»، صوت جديد غير معهود، أثبت وجوده سريعاً. لذا، أصبح مفهوماً، لماذا، يسعى العديد من الفنانين الشباب للعمل معه: تلحين، توزيع، أو غناء. إطلاقاً، لم يكن الشكل مهماً، حينها.
سريعاً، أدرك الكثيرون، ما يعنيه التعاون في إصدار «دويتو»، مع الجزار. كان هناك شغفٌ حقيقي بصوته. بعدها، كان حسين الصادق قد فهم ذلك، جيداً، ليتعاون معه، فجاءت: «أدقك يا قلبي»، «شوفتك يا حبيبي»، «ناديت عليكي»، و«في خديدو شامة».
لاحقاً، إزداد الطلب على الجزار، ليأتي الدور على صباح عبد الله ، مجاهد عثمان،عبد الخالق الدولي، أفراح عصام، حليمة الإثيوبية، «ناس جوطة»، سامية هندي، محمد عثمان، ذو النون، الشاب أمير، محمد تبيدي، شكر الله عزالدين، وغيرهم.
بالطبع، الطلب على العمل مع الجزار، إذ وصل الأمر حتى أصبح «ملك الثنائيات».

***
مع الجزار، كانت «الأماني» تكبر كل يومٍ. هكذا، وبكل بساطة. ففي بداياته، كان الكثيرون، ينتظرون الجديد الذي سيصدر بشغف، لم يكن يصدر عملٍ، إلا، وأعقبه بآخر، لا يقل عنه في الستوى: كلمات، ألحان، توزيع، وإنتاج!
على هذا النحو، كان الجزار يشق طريقه إلى القمة. لكن، في مكانٍ ما، في الوسط، كان السقوط قد بدأ، كأنه مصاب بمتلازمة «بنجامين بوتون»، إذ كان يدور عكس عقارب الساعة، فبعد أن بدأ بأعمال عظيمة مثل «أمي» إنتهى به الحال بترديد «خلوني النشيلو». هذا صحيح، لقد بدأ الجزار كبيراً وإنتهى به الحال ليصبح صغيراً!
كانت «خلوني النشيلو» صادمة، حقاً. العمل، كان، خلافاً لما هو معهود عن الجزار، لتُمثل بعدها، بداية العد التنازلي لمغني صاعد، مغني كان يشق طريقه إلى القمة بهدوء، ليسقط قبل أن يصعدها. الحقيقة، إنه كان، يتقدم خطوة إلى الأمام ويعود خطوتين إلى الخلف.
لقد سقط الجزار، وأحاط الجميع بجسده، في إنتظار دورهم في النقد، وتوجيه الإتهامات له من جميع النواحي، إذ أصبح متهماً بالتشويه، تشويه أغاني الحقيبة، والمدائح.

***
حينما إشتدت سهام النقد، لم يستطع التحمل أكثر، لجأ الجزار إلى طريقة «إضرب وإهرب». أصبح ينزوي في الظل، ويتوارى بعيداً عن الأنظار والوسط الفني، يُمارس عمله المعتاد، ثم يظهر بعمل يصبح محل حديث الناس، سلباً أو إيجاباً، لفترةٍ طويلة، ثم يختفي، مجدداً.
بعدها، يقوم بالبحث والتنقيب كثيراً، من أجل العمل، على إعادة إنتاج وتوزيع، الكثير من الأغنيات بطرق جديدة. لفترةً، إستمر الجزار على هذا النهج، إلى أن وصل إلى محطة «مكاشفي القوم». يا للهول، أنظروا، أين وصل «الرجل الذي جاء ليُعيد ترتيب الموسيقى السودانية، والتجديد فيها»! بالفعل، لقد سقط.
لكن، الذنب ليس ذنبه، لقد حذر ولم ينتبه له أحدٌ. لهذا، جاءت «مكاشفي القوم»، لتُعيد توجيه الصفعة للجميع. إذن، ماذا تبقى لنا، فقط، ينبغي الإعتراف بالحقيقة، حقيقة إن «السويتو إنت غيرك ما بسوي»، يا الجزار.

***
رغم كل ذلك، فإنه لم يفهم مغذى الرسالة جيداً. الجميع إعتقد أنه فهم. لكن هذا لم يحدث، أبداً. لهذا، عاد إلى المربع الأول، أعاد إطلاق نفسه، بالطريقة التي يريدها هو، لا ما يريدها الجمهور. الجزار كان هناك، في مكانٍ ما، قريباً من القمة.
لكنه، سقط لوحده، ليعود إلى أسفل، ويتم التعامل معه، على أنه صوتٍ غير مرغوبٍ فيه. أما اليوم، فإنه يجد نفسه، في مفترق طرق، أو بالأحرى في طريق اللاعودة. ليس سهلاً، أن تعود إلى المسار الصحيح بعد أغنيات مثل: «خلوني النشيلو»، «ما تبكي لي»، «يا زول»، «يا زاهي»، «يا مارة بي بابنا»، وغيرها.
لهذا، :«أنا خائف أكرهك». أكثر من ذلك، أخاف أن يأتي يومٍ ويكره فيه الجزار نفسه. لقد غنى لنا :« أنا حالتي وريتك». لكنه، ربما، لم يدري، بقصدٍ أو بغير قصد، أنها ستوجه وتغنى له، في يومٍ من الأيام. لقد أصبحت علاقة الحب، بينه وبين الجمهور، من «طرف واحد».

***
هذه الحالة، يبدو أنها وصلت إلى ذروتها، أخيراً. بالتأكيد، لم يتوقع أحد أن تصل إلى هذه المرحلة، بهذا الشكل. أن يأتي يومٍ، ويشاهدون فيه الجزار، يقوم بإعادة توزيع مدحة، ويقوم بتحويلها إلى أغنية راقصة، أن يسمعوا «مكاشفي القوم» في الحفلات بدلاً من «ليالي الذكر»! يبدو، بأن هذا ما كان ينقص الجزار ليكمل رسم صورته عن نفسه.
«صباح النور عليك» يا الجزار. صحيح، لا تزال تمتلك بعض الجماهير. لكن، هذا يقابله حقيقة أنك لم تعد الجزار الذي كنا نعرفه. بالطبع، هو كائن غريب علينا، حقاً! حتى هنا، يكفي، أنا «إستأذن».
أنت لم تـ«حن عليـنا لهذا، أغلقنا هذا الباب، باب الإستماع إليك، وبالتأكيد«باب الريد».

أكتب تعليقك هنا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.