الرئيسية / تقارير / أزمة مواصلات مستفحلة الأسباب الخفية لغياب العربية

أزمة مواصلات مستفحلة الأسباب الخفية لغياب العربية

أزمة مواصلات مستفحلة الأسباب الخفية لغياب العربية

الخرطوم: ياسر الكردي

رجلان بكامل قُواهما العقلية، دخلا عليَّ بمقر الصحيفة، وبدون مُقدِّمات عرَّفا نفسيهما بأنهما يعملان سائقين بشركة المواصلات العامة (البصات)، وأكَّدا أن مشكلة المواصلات التي ضجَّ من عنائها الشعب تعود لسبب (واحد فقط) هو أنه ثمَّة رجال يمتطون عربة (بوكس) من الموديلات الحديثة يحملون (رِزم) من الجنيهات (فئات كبيرة)، يقومون بتوزيعها لأصحاب بصات الولاية والحافلات الكبيرة، مقابل خروجهم من خطوط المواصلات؛ خصوصًا في أوقات الذروة، لخلق مزيد من الاحتقان.
سألتهما: وهل استلتم هذا المبلغ لتأكيد (الرواية)؟ فأجابني أحدهما: “نعم، أنا حصل استملت منهم مبلغ مليون ونُص، وسمعت من زملاء كثيرين، خصوصًا سائقي الحافلات أنهم قد استلموا حقيقةً هذا “الراتب اليومي”.

مُنتهى السَّادية
السؤال الذي يجب أن نبدأ به هو: وهل يكتفي من يُنفقون هذه المبالغ الطائلة بتلسيمها للسائقين فقط؛ أم يتأكدون من خروج السائقين من مواقف المواصلات حقيقةً؟ الإجابة بحسب مُحدِّثي أن هذه (المافيا) تراقب العربات التي تم منح سائقيها هذه المبالغ، واستدلَّ بنفسه قائلا: أنا بعد أن استلمت المبلغ بموقف (جاكسون) خرجت وفقًا لـ(التعليمات)، لكن بعد ساعة اشتغلت عادي من خارج الموقف، فقابلني الأشخاص أنفسهم الذين أعطوني المبلغ بالأمس وقالوا لي: “انت أمس سلَّمناك مليون ونُص وما التزمت.. مشيت اشتغلت تاني”، فقلت لهم: “أنا سلَّمت البص للشركة، احتمال يكون اشتغل بيهو زول غيري”.

(إنتو يا دوب عِرفتو؟؟!!)
خطورة حديث الرجلين جعلني أتحدَّثُ – مباشرة – مع عدد من السائقين بقطاع بحري، سألتهم إن كانوا قد سمعوا بأُناسٍ يغرون أصحاب الحافلات بالخروج من خطوط المواصلات مقابل مبلغ مادي يصل إلى (1500) جنيه، فردُّوا على سؤالي بسؤال: “انتو يا دوب عرفتو؟؟ دي شغَّالة من شهر أربعة”، ومضى أحد من تحدَّثوا لي أبعد من ذلك حيث قال: هنالك عدد من الأفراد ظلوا يدخلون المواقف بعربة بوكس فى أوقات الذروة وسيتخدمون أحيانًا بعض (الطراحين) لنداء السائقين بالموقف وإعطائهم (توريدة اليوم)، شريطة أن يلتزموا بالخروج النهائي من مواقف المواصلات، سواءً أكان ذلك بمواقف الخرطوم (الاستاذ وجاكسون) أو موقف بحري.

سؤال منطقي
بابكر إبراهيم (صاحب حافلة) يعمل بخط الشنقيطي – السوق الشعبي، قال لـ(السوداني)، إنه ظل يعمل بقطاع النقل لفترة قاربت الـ(رُبع قرن)، وطوال هذه المسيرة لم يشهد أزمة مواصلات مثل التي يراها الآن، وقال إنه في ظل الظروف المعيشية الضاغطة التي يعاني منها الجميع ليس هنالك سببٌ يجعل حوالي 75% من مركبات النقل تختفي وقت العمل والإنتاج والدخل الحقيقي، إلا إذا كان هنالك سبب ما؛ وأضاف بقوله: لقد سمعت كلامًا كثيرًا جدا عن دخول أشخاص يغرون أصحاب المركبات الكبيرة، وخصوصًا الحافلات بمبالغ مالية مقابل خروجهم من خطوط المواصلات؛ لا سيما وقت الذروة، وأن هذه (التصرفات) تصدر عن أفراد ينتمون للدولة العميقة. مُؤكدًا ضعف الرقابة وهو دور يُفترض أن تقوم به النقابة والشرطة. وقال: لكن الناظر لواقع الحال لا يساوره شك أن دور نقابة الحافلات قد انحصر فقط في التحصيل.

النقابة تنفي
(السوداني) اتصلت على عدد من قيادات نقابة الحافلات حيث قال عبد السميع، إنهم سمعوا بأفراد يقومون بتوزيع الأموال على سائقي المركبات العاملة في خطوط المواصلات، لكن بالبحث والتقصي لم (يقبضوا) سائقا (مُتلبِّسا) باستلام مال. من جهته قال رئيس نقابة الحافلات بقطاع محلية جبل أولياء إنهم سمعوا بهذا الحديث قبل حوالي شهرين، لكنهم بحثوا عن هؤلاء الناس فلم يجدوا لهم ريحًا، مشيرًا إلى أن أزمة المواصلات التي تعيشها الخرطوم منذ فترة تعود لعاملين؛ الأول مُتعلِّق بسلوك المواطن الذي يهضم حقه بنفسه وذلك بقبوله بزيادة التعرفة حتى وإن كانت غير قانونية، وأيضًا رضوخه لتجزئة الخطوط رغم أن صاحب المركبة يأخذ حقه على (داير المليم). أما الثاني فتتحمَّل مسئوليته الدولة لأنها تعلم علم اليقين أن نسبة عربات (الأهالي) العاملة في المواصلات تصل إلى (85%) مقابل بصات الحكومة (15%) فقط ومع ذلك لا تدعم الدولة مركبات القطاع الخاص (85%) بل على النقيض فإنها ترهقهم برسوم لا حدَّ ولا عدَّ لها منها رسوم (دعم الطلاب).

اختراق قطاع
مدير شركة المواصلات العامة (بالإنابة) عباس حسين الكردي قال لـ(السوداني) لا يختلف اثنان في أن قطاع الحافلات العاملة بمواصلات ولاية الخرطوم (مُخترق)، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا أهمها غياب شبه تام لأسطول مُكوَّن من حوالي (10 – 11) ألف مركبة في زمن واحد، فإذا قدَّرنا الموجود في وقت الذروة بـ(2) ألف حافلة، يبقى السؤال المنطقي أين ذهبت الـ(8) آلاف الباقية؟ وأضاف الرجُل بقوله: الإجابة تؤكد تمامًا أن هنالك أشخاصًا (يدفعون) أموالا للعاملين بالحافلات لكي يخرجوا من المواقف ويزيدوا أزمة المواصلات اشتعالا، مؤكدًا ضبط حالات كثيرة تعرف تفاصيلها الشُرطة ومكتب الوالي.
وبسؤالي له أن شركتهم نفسها (مورَّطة) في هذا الاتهام؛ قال المدير: حتى ولو حدثت حالات فردية في نطاق ضيِّق جدًّا، فإنه لا يعتد بها لسبب رئيسي؛ هو أن بصات شركة المواصلات العامة مُراقبة تمامًا بحيث إنهم يحذِّرون السائقين بإبلاغ الشركة في حالة التوقُّف لأي سبب مُتعلِّق بالمركبة أو سائقها.

بيانٌ للناس
ومع ارتفاع وتيرة الحديث حول دخول أفراد (يدفعون) أموالا لسائقي المركبات العاملة في المواصلات بغرض خروجها من المواقف لتأجيج الأزمة، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي ببيانٍ حمل توقيع (لجان المقاومة) وجاء فيه: في ظل معاناة المواطنين من أزمة المواصلات رشحت معلومات أن هنالك عناصر تابعة للنظام المخلوع تسعى لتعميق الأزمة بالعاصمة وبخاصة في أوقات الذروة بالتأثير على انسياب حركة المواصلات، كما أعلن مسؤول بوزارة الطاقة أن عناصر الدولة العميقة تقف وراء أزمة نقل الوقود من خلال تكسير مواعين التوزيع بين إدارة الإمداد وشركات التوزيع، وعليه نشير إلى ما يلي:
أولا: نناشد سائقي الحافلات والمركبات العامة، وهم جزء أصيل من ثورة 19 ديسمبر المجيدة، أن يقوموا بالتبليغ الفوري لأقرب لجنة مقاومة عن أي محاولة للتأثير على حركة المواصلات أو دفع مبالغ مالية لإخراج مركبات عامة عن الخطوط، وذلك لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يحاولون عرقلة انسياب حركة المواصلات، كما نناشدهم بمضاعفة الجهود لنقل المواطنين وبخاصة في أوقات الذروة.
ثانيا: نطالب حكومة الثورة أن تعمل على حل مشكلة المواصلات بأسرع ما يمكن عبر تطوير شركة مواصلات العاصمة باستيراد بصات جديدة وإصلاح البصات السابقة التابعة للولاية، وذلك من منطلق مسؤولية الدولة عن توفير المواصلات للمواطنين.
ثالثا: نطالب حكومة الثورة بالعمل على تخفيض تكلفة مدخلات حركة المواصلات عبر تخفيض التكلفة الجمركية على الزيوت والإطارات والإسبيرات وتحديد تعرفة المواصلات لكل خط بصورة عادلة وغير مرهقة للمواطن وذلك عبر التفاوض مع نقابات المركبات العامة وتوفير الوقود الكافي مع تحديد الخطوط وفرض الرقابة عليها والتأكد من عدم تقسيم الرحلة الواحدة إلى عدة رحلات وذلك عبر الأجهزة الرقابية المختصة.
رابعا: نطالب حكومة الثورة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإيقاف التسكع من قبل شركات الدولة العميقة في موضوع توزيع الوقود عبر سيطرتهم على مواعين النقل والعمل على إيجاد بدائل لحل المعضلة بأسرع ما يكون.
اللجان الموقعة على البيان:
لجان المقاومة بأركويت
لجان المقاومة بشرق النيل
لجنة مقاومة المهندسين أم درمان أم درمان مربع 29
لجان مقاومة الخرطوم شرق
لجان مقاومة الفتيحاب مربع 3و4
لجان مقاومة المنصورة
لجان الأطراف بالعاصمة

 

 

السوداني

شاهد أيضاً

يقظة فكر … بقلم: د. ولاء أمين  .. الهـــوية

يقظة فكر … بقلم: د. ولاء أمين  .. الهـــوية من الغريب جداً أن المرء باستطاعته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: